إنّ النظام العالمي الحديث الرأسمالي، الذي تكوَّن مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، قام على مجموعةٍ من القواعد والأركان المهمّة، ارتكزت على بثّ فكر وثقافة «الأنا» في النفوس على مستوى الأفراد، وبكافّة أدواتها، وقد أدّى ذلك إلى إحداث تسوّسٍ نخر في جسد الطبقة الوسطى التي تمثّل أساس الاقتصاد الحديث.
وقد تمثّلت أضلاع هذا النظام في الليبرالية والعلمانية والديمقراطية، التي سعت إلى إرساء أفكار النظام؛ لأنّ التغيير دائمًا ما يحتاج إلى نموذجٍ فكريّ يمهّد الطريق. فهذه الأدوات استُخدمت لبثّ ثقافة تعمل على تخصيب التربة لنموّ هذا النظام بأركانٍ متينة يصعب زعزعتها. وكما أسلفنا في مقالاتٍ سابقة عند الحديث عن الديمقراطية، نكمل حديثنا اليوم عن هذه الأداة التي أخطأنا فهمها الحقّ وتطبيقها، وأخذنا مفهومًا مُقزّمًا عنها، عمل على الفتك بدول المنطقة قاطبة، وزعزعة استقرارها سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا واجتماعيًا.إنّ الديمقراطية تعني حكم الشعب، وهناك ضوابط وأطر لحكم الشعب تنظّم حقّه في الممارسة، لكن بالطرق والوسائل السلمية، ويتمثّل ذلك في الانخراط بالأحزاب القوية المؤثّرة فعليًا، في ظلّ حريةٍ فكرية تمثّل نواة الحكومات المنتخبة. وهذه الحكومات تستمدّ قوتها من ناخبيها لتنفيذ الخطط طويلة الأمد التي تقود المركب نحو التقدّم والتطوّر في شتّى المجالات. لكنّ منطقتنا ترجمت مفهوم حكم الشعب دون وضع ضوابط تُشرّع الوسيلة، فجاء ذلك في خضمّ خلفية فكرية مستندة إلى العنف المتجذّر في العقول، ما شكّل بيئةً خصبة للانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، وثوراتٍ عقيمة الفكر، تمشي على غير هدى، بلا أهداف ولا مبادئ.والمتأمّل شرقًا وغربًا يعاين مخرجات تطبيقها في منطقتنا، حيث أصبحت المنطقة فُوّهةً بركانية شكّلت محيطًا ملتهبًا، شُرِّعت خيراته للغرب والدول الطامعة. فالسودان اليوم، ولبنان، وسوريا، وليبيا، واليمن؛ توزيعٌ ديمغرافيّ قبليّ انصهر مع تقزيمٍ للديمقراطية أو تطبيقٍ لخيالها، فشكّل أوطانًا غير مستقرة، مستباحة الخيرات. ويُحسب للأردن، متمثّلًا بالملك، والتحرّكات الدبلوماسية العالمية في الإقليم والعالم، والسعي الدؤوب لإرساء مفاهيم الوحدة الداخلية والتماسك الوطني.إنّ الدور الملقى على عاتقنا اليوم هو أن نجعل الفكر الجامع الموحِّد سدًّا منيعًا أمام هذا الغزو الفكري؛ فوحدة اللغة العربية والمصير تدافع بقوة أمام هذا الغزو القائم على بسط أدواته عبر التفرقة والكراهية. وعلينا أن نعلم أنّ قوتنا بوحدتنا، وتتمثّل هذه القوة في الجغرافيا والديموغرافيا والخيرات، فتكامل الأقطار العربية بصبغةٍ واحدة هو أساس القوة الذي يحقّق الرفعة والعزّة والمكانة الرفيعة بين الأمم.إنّ هذه السموم والأدوات تمسّ الفكر وتسعى إلى تغييره، حتى تسهُل استباحة خيرات منطقتنا وتغييب العقول. وأمام هذا التكالب الغربي وصلنا إلى مرحلة التمايز الفكري؛ فالفكر هو سلاح النصر، والله وعدنا نصرًا وعزًّا بالسير على نهجه، وهم وعدونا ذلًّا وقهرًا بمكائدهم المستمرة، والله غالبٌ على أمره. وأختم بقوله تعالى:﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.الفاعوري يكتب: الفكر قبل السلاح.. معركة الوعي في الشرق الأوسط
مدار الساعة ـ