أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مؤشرات التقدم.. رصيد وطني


الدكتور خالد الشقران
رئيس تحرير جريدة الرأي

مؤشرات التقدم.. رصيد وطني

الدكتور خالد الشقران
الدكتور خالد الشقران
رئيس تحرير جريدة الرأي
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

يشكل تقدم الأردن في أكثر من عشرين مؤشرا عالميا خلال عام واحد محطة بالغة الدلالة في مسار الدولة التنموي، ويعكس تحولا تدريجيا من إدارة الأزمات إلى بناء القدرات، ومن رد الفعل إلى التخطيط القائم على المعايير الدولية، وفي الواقع إن هذه النتائج لا تقرأ كأرقام تقنية بحد ذاتها، بل كمؤشرات على تغير عميق في بنية الأداء الحكومي والاقتصادي والمؤسسي.

ففي محور الحكومة الرقمية، يكشف تقدم الأردن 16 مرتبة في مؤشر تقديم الخدمات العامة الصادر عن البنك الدولي، و10 مراتب في مؤشر الخدمات الحكومية الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة، و10 مراتب في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية، و5 مراتب في مؤشر ممكنات التكنولوجيا الحكومية وفق تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، عن مسار واضح نحو دولة أكثر كفاءة وأقرب إلى المواطن، خاصة وأن هذه المؤشرات تعني في بعدها المباشر اختصارا للوقت والكلفة، ورفعا لمستوى الشفافية، وإعادة تعريف للعلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الخدمة والحقوق.

أما في الابتكار والمعرفة، فإن تقدم الأردن 8 مراتب في مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، و15 مرتبة في مؤشر المعرفة العالمي الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومؤسسة محمد بن راشد، يؤكد أن الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا وريادة الأعمال بدأ يعطي ثماره، كما تظهر نتائج مؤشر مستقبل النمو الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بحصول الأردن على درجات متقدمة في الاستدامة والمنعة والشمولية، أن تصاعد نسبة النمو يأتي في سياق جهد وطني يقوم على تنفيذ خطط وبرامج وفق عمليات متوازنة تراعي المجتمع والاقتصاد معا.

وفي مسار التنافسية والحوكمة، تكشف المؤشرات الدولية وما يتبعها من الأرقام التصنيفية عن تحولات عميقة في السياسات الحكومة الخاصة بهذا المجال، حيث يعكس بلوغ الأردن المرتبة 59 عالميا في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تقدما في بنية النزاهة العامة، وتراكما لإجراءات رقابية وتشريعية بدأت تترك أثرها في وعي المؤسسات وسلوكها، ويتكامل ذلك مع التقدم المحقق في مؤشرات سيادة القانون والاستقرار السياسي الصادرة عن البنك الدولي، بما يحمله من دلالة على ترسيخ مرجعية القانون، وتعزيز قابلية الدولة للتنبؤ، وهما عنصران حاسمان في حسابات المستثمرين وفي شعور المواطنين بالأمان المؤسسي.

أما التحسن بثماني مراتب في مؤشر تشريعات الأعمال وفق تقرير ممارسة أنشطة الأعمال، فيشير إلى مسار إصلاحي يستهدف تخفيف التعقيد الإداري، وتحديث الأطر الناظمة للاقتصاد، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص على أساس الشراكة لا الوصاية، الأمر الذي يجعل هذه التطورات مجتمعة ترسم صورة لبيئة تشريعية ورقابية أكثر نضجا، قادرة على جذب الاستثمار المنتج، وبناء الثقة طويلة الأمد، وتحويل الحوكمة من شعار سياسي واداري إلى سلوك وفعل متجذر في العمل المؤسسي ينعكس أثره على النمو وفرص العمل وعدالة توزيع العوائد، ومن هنا، تغدو الحوكمة الرشيدة مدخلا ضروريا لاقتصاد أكثر صلابة، ودولة أكثر قدرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها والعالم.

اقتصاديا، يظهر تقدم الأردن خمس مراتب في مؤشر مرونة استجابة الاقتصاد للازمات الصادر عن البنك الدولي، وبلوغه الترتيب 31 عالميا في مؤشرات مكافحة التضخم وفق صندوق النقد الدولي، أن السياسات النقدية والمالية تسير باتجاه حماية الاستقرار المعيشي، مع تحسن ملموس في مهارات القوى العاملة الرقمية وفق تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي.

ولا يمكن إغفال دلالات التقدم في المؤشرات المرتبطة بالصورة الوطنية، حيث تحسن ترتيب الأردن في تصنيف (الفيفا) الصادر عن الاتحاد الدولي لكرة القدم، والذي جاء مدعما بإنجازات رياضية عززت الحضور الدولي والهوية الإيجابية للدولة.

وفي المحصلة، تضع هذه المؤشرات الأردن أمام لحظة اختبار حقيقية، حيث يصبح التقدم الرقمي والمؤسسي معيارا مهما للمساءلة وليس مادة للاحتفاء ينتهي مفعولها في اليوم التالي لنشرها، إذ إن القيمة الفعلية لهذه الإنجازات تكمن في قدرتها على تعزيز ثقة المواطن، وتوسيع فرص العمل، وتحسين مستوى الدخل، وترسيخ العدالة في توزيع ثمار النمو، ما يجعل الأمر الأكثر إلحاحا اليوم يتركز في ضرورة الاهتمام بتثبيت هذا المسار، وحمايته من التباطؤ، وتحويل هذا التقدم في المؤشرات والأرقام الدولية إلى سياسات وعمل مؤسسي ممنهج ومستدام يلامس حياة الناس وتطلعاتهم وثقتهم بدولتهم ويؤسس لمستقبل أشدّ صلابة بمجتمع منتج واقتصاد أكثر قوة ومنعة.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ