أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أحزاب أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الاتجار بعاملات المنازل الهاربات


د. محمد رسول الطراونة
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق

الاتجار بعاملات المنازل الهاربات

د. محمد رسول الطراونة
د. محمد رسول الطراونة
أمين عام المجلس الصحي العالي السابق
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ

برزت مؤخراً في مجتمعاتنا ظاهرة بالغة الخطورة والتنظيم، تتمثل في الاتجار بعاملات المنازل الهاربات، حيث تجاوزت هذه الظاهرة مرحلة الحوادث الفردية العابرة لتصبح عملاً منظماً تديره شبكات متخصصة، تستفيد من معاناة العاملات وتستنزف جيوب المواطنين الذين يدفعون ثمناً باهظاً للحصول على خدمة منزلية، وتبدأ المأساة عندما تدفع الأسرة مبالغ طائلة لمكاتب الاستقدام قد تصل إلى ألفي دينار أو أكثر، وبمجرد انقضاء الفترة التجريبية تختفي العاملة فجأة، لتبدأ رحلة أخرى من الاستغلال في سوق العمل غير النظامي.

تعمل هذه العصابات وفق آلية محكمة وخطيرة، تبدأ باستدراج العاملات الهاربات من منازل كفلائهن الأصليين، مستخدمة وسائل اتصال سرية ووسطاء موثوقين من بني جلدتهن في كثير من الأحيان، وتقدم هذه الشبكات للعاملات وعوداً براقة بعمل أفضل، وأجور أعلى، وهي وعود تتبخر سريعاً ليحل محلها واقع مرير من العمل المتواصل دون ضمانات، تُشغل العاملات بعد ذلك بشكل يومي أو أسبوعي أو شهري في منازل متعددة، مستفيدة من حاجة الأسر الملحة للخدمة ورغبة بعضها في توفير التكاليف المرتفعة للاستقدام الرسمي، دون إدراك للمخاطر القانونية والأمنية التي يجرونها إلى بيوتهم.

لتنفيذ عملياتها، تعتمد هذه الشبكات على معرفة عميقة بتضاريس المجتمع، غالباً ما تتم عمليات "اصطياد" العاملات المستهدفات من خلال تواصل سري مع عاملات أخريات يعملن كـ "عيون" داخل البيوت، أو عبر توظيف سائقين أو بائعين متجولين يقومون بدور الرابط. يتم تجميع العاملات الهاربات وتنسيق عملهن في مناطق شعبية محددة تتميز بالازدحام، حيث يصعب التعرف على الوجوه الجديدة، وتكون الرقابة الأمنية أقل نسبياً. تتم هذه التجميعات في شقق مفروشة رخيصة ومتواضعة جدا، أو في مقاهٍ شعبية معينة تصبح نقاطاً لتلقي الطلبات وتوزيع العاملات. هذه الممارسات اللاإنسانية لا تشكل ضرراً مادياً فادحاً للمواطن الذي يخسر آلاف الدنانير دون أن يحظى بخدمة مستقرة فحسب، بل تمثل استغلالاً بشعاً للعاملات الهاربات أنفسهن.

لقد عشت مؤخراً تجربة شخصية مؤلمة كشفت لي مدى تعقيد وانتشار هذه المشكلة، عند استقدامي عاملة لرعاية شقيقتي المسنة المريضة، وبعد وقت قصير من انتهاء الفترة التجريبية، هربت العاملة دون سابق إنذار، قادني البحث والتحري إلى الاشتباه بخيوط شبكة منظمة تعمل بنشاط على استقطاب مثل هذه العاملات وإدارتهن في سوق سري موازٍ، فقد استخدمت هذه العصابة كل ما يمكن لتعقيد عملية الهروب والتي تمت فجرا، فقد تمت تغطية كاميرات مراقبة المنزل ،وتم الهروب من باب المطبخ والتراس بطريقة ذكية لا تخطر على بال أحد، وأكدت لي هذه التجربة أن ما نواجهه ليس هروباً فردياً عشوائياً، بل جريمة منظمة تشارك فيها حلقات متعددة: تبدأ بمكاتب استقدام تتواطأ أو تتهاون في إجراءاتها، وتمر بوسطاء لا ضمير لهم، وتصل في بعض الحالات إلى عاملات سابقات يحولن دورهن إلى "جواسيس" داخل البيوت لتسهيل هروب زميلاتهن الجدد.

لهذه الظاهرة آثار مدمرة تشمل جميع نواحي الحياة المجتمعية حيث تؤدي إلى: خسائر مالية للمواطنين وتقوض ثقتهم بقطاع الاستقدام النظامي، مما يضر بالاقتصاد الرسمي، تهدم جسور الثقة بين الأسر والعاملات، تغذي سوق العمل غير النظامي، محررة العاملات من الحقوق المكفولة لهن قانونياً، وفي الوقت ذاته تعرض الأسر التي تستخدمهن لمساءلات ومخاطر قانونية، تشكل وجود شبكات إجرامية منظمة تعمل في الخفاء، قد تكون نواة لأنشطة إجرامية أخرى أكثر خطورة كالابتزاز أو الدعارة أو غسيل الأموال.

لمواجهة هذا الورم الخبيث، نحتاج إلى عمل مؤسسي جاد، يجب أولاً تشديد الرقابة على مكاتب الاستقدام وربطها بإلزامية نظام إلكتروني موحد ومركزي لتسجيل وتتبع حركة كل عاملة من لحظة وصولها حتى انتهاء عقدها، مع فرض عقوبات مشددة على المكاتب المتورطة، ثانياً: تعديل التشريعات والقوانين ذات الصلة لفرض عقوبات رادعة وحاسمة على كل من يثبت تورطه في شبكات الاستغلال هذه، سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين أم اعتباريين، ثالثاً: تنظيم حملات توعوية مكثفة للمواطنين تبين المخاطر الأمنية والقانونية والصحية المترتبة على تشغيل العاملات الهاربات، وتعزيز ثقافة التعاقد النظامي، رابعا وأخيراً: العمل على تطوير نظام الاستقدام نفسه لجعله أكثر شفافية وإنسانية وعدالة، يضمن حقوق جميع الأطراف.

ختاماً، فإن ظاهرة الاتجار بعاملات المنازل الهاربات ليست مشكلة عابرة أو هامشية يمكن التغاضي عنها، إنها قضية مجتمعية خطيرة تمس أمن الوطن واستقرار أسرته وتنميته الاقتصادية. إن حماية حقوق هؤلاء العاملات المستضعفات، حماية مدخرات المواطنين التي تذهب أدراج الرياح، واجب وطني لا يحتمل التأجيل، وهذا لن يتحقق إلا من خلال تعاون وثيق وحقيقي بين جميع الجهات: الرقابية، والقانونية، والأمنية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، لبناء نظام متكامل يحقق التوازن العادل بين الحقوق والواجبات.

لقد كانت تجربتي الشخصية درساً قاسياً، لكنها عمقت قناعتي بأن الصمت والتجاهل لن يكونا رداً كافياً على جشع هذه الشبكات التي تثرى على حساب معاناة الجميع، لقد حان الوقت لرفع الصوت، واتخاذ القرار الحازم، والتحرك الجاد للتصدي لهذه الآفة لضمان مجتمع أكثر أمناً واستقراراً.

مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ