الأرقام تتحدث عن أداء الحكومة في ضمان سيرها على مسار إصلاحي حقيقي قلّما حظي بالتركيز الكافي في النقاش العام، فحين توضع الحسابات الختامية وإعادة التقدير جنبًا إلى جنب، تتكشف صورة مختلفة للإصلاح الاقتصادي، إذ ان جوهر هذه الصورة يتمثل في الإصلاح المالي والالتزام شبه الكامل بقانون الموازنة العامة لعام 2025، وهو ما يمكن اعتباره المؤشر الأكثر وضوحًا على سلامة الأداء المالي ووضوح الرؤية الاقتصادية.
وللمرة الأولى منذ سنوات، تبدو هذه الحكومة الأقرب فعليًا إلى تطبيق قانون الموازنة كما وُضع، لا كما أُريد له أن يكون أو كما جرت العادة في تعديله لاحقًا.تُظهر مقارنة عام 2025 بين المقدر وإعادة التقدير أن الفروقات جاءت محدودة إجمالًا، بما يعكس واقعية التقديرات ودقة الافتراضات التي بُنيت عليها الموازنة، فقد بلغت الإيرادات المحلية المقدرة نحو 9.5 مليار دينار، مقابل نحو 9.3 مليار دينار في إعادة التقدير، أي بفارق نسبته 2.3 بالمائة فقط، وهذا الفارق المحدود يكتسب أهمية استثنائية إذا ما قورن بسنوات سابقة كانت الفجوات فيها كبيرة، إذ وصلت الفروقات بعد إعادة التقدير إلى ما يقارب 900 مليون دينار كما حدث في عام 2023.ولولا الظروف الاستثنائية التي فرضتها تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل، والتي كلفت الاقتصاد ما يقارب 90 مليون دينار نتيجة تراجع النشاط التجاري والسياحي وتعطل بعض سلاسل الإمداد، لكانت الإيرادات أقرب بكثير إلى الرقم الحقيقي المقدر، وربما تجاوزته.على جانب الإنفاق، تؤكد الأرقام أن الحكومة لم تلجأ إلى التوسع غير المنضبط أو إلى المعالجات السهلة القائمة على زيادة الصرف، فقد تراجعت النفقات الجارية بنسبة 1.09 بالمائة، ومدفوعات الفائدة بنسبة 0.91 بالمائة، ما يعكس إدارة حذرة للالتزامات المالية، وفي الوقت ذاته، أُعيد ترتيب النفقات الرأسمالية لتسجل نحو 1.37 مليار دينار، مع الحفاظ على مستوى تنفيذ مرتفع بلغ 96 بالمائة، وهو مستوى قياسي يعكس قدرة تنفيذية عالية وكفاءة في إدارة المشاريع، كما جرى تسديد 320 مليون دينار من المتأخرات خلال عام 2025.الأهم في هذه الصورة أن مؤشرات العجز بقيت شبه ثابتة رغم كل الضغوط الإقليمية والاقتصادية، وهو استقرار نادر في بيئة مليئة بالتقلبات، حيث يتكامل هذا الأداء المالي مع مؤشرات اقتصادية كلية إيجابية، حيث سجل الاقتصاد نموًا بلغ 2.8 بالمائة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2025، مدفوعًا بقطاعات إنتاجية حقيقية مثل الصناعات التحويلية والزراعة والطاقة والقطاع اللوجستي، كما ارتفعت الصادرات بنسبة 7.6 بالمائة، وأغلقت البورصة العام بارتفاع في قيمتها السوقية بنسبة 44.5 بالمائة، مع حجم تداول بلغ 2.2 مليار دينار.في المحصلة، الأرقام لا تحتاج إلى تفسير مطوّل، فهي تتحدث عن نفسها بوضوح، وتؤكد أن الإصلاح الحقيقي في عام 2025 كان إصلاحًا ماليًا قبل أي شيء آخر، إصلاحًا قائمًا على الالتزام والانضباط والاقتراب غير المسبوق من نص وروح قانون الموازنة العامة، وهو ما يمنح هذا الأداء قيمة تتجاوز عامًا واحدًا لتؤسس لمسار أكثر استدامة في السنوات المقبلة.الإصلاح الاقتصادي بلغة الأرقام
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ