في الخطاب العام، ثمة كلمة تتكرر على ألسنة مسؤولين يظهرون على الشاشات أو خلف المنصات: "يجب.."، مشفوعة بلاحقة من "التمنيات"، أو "الينبغيات" التي على "أحد ما إنجازها"، بحيث يراها المسؤول ضرورة ملحة في الوقت الحالي، مثل يجب على السوق أن ينضبط، ويجب على أداء القطاعات أن يتحسن، ويجب على النظافة أن تسود في الفضاء العام، ويجب على الشباب أن لا ينتظروا الوظيفة.
إنها قائمة طويلة من الجمل التي تأتي على شكل "شريط أوامر"، أو على شكل كلمة واحدة تختصر خطابا كاملا من التمنيات والأوامر، لكنها في كثير من الأحيان لا تختصر فعلا، ولا تنتج أثرا، ولا تقنع مواطنا أنه شريك في وطن، لا متلقيا للتوجيه.ليس الاعتراض هنا على الكلمة بذاتها، بل على من يقولها. من حق المواطن، بل من واجبه، أن يقول "يجب": إذ يجب أن تتحسن الخدمات، ويجب أن تتوفر فرص العمل، ويجب أن تتحقق النظافة في المساحة العامة، ويجب أن تدار موارد البلد بعدالة وكفاءة، فالمواطن يدفع ثمن السياسات، ويتحمل كلفة القرارات، ويعيش نتائج الإخفاق قبل أن يسمع تبريراته.لكن هذه المفردة ينبغي أن تكون محرمة على لسان المسؤول، فدوره مختلف جذريا؛ هو لا ينبغي أن يقول "يجب"، بل أن يعمل كي تتحقق القرارات المناسبة التي تأتي من منطلق الحاجات الحقيقية للمجتمع.حين يقول المسؤول "يجب"، فإنه، من حيث يدري أو لا يدري، ينقل عبء الفعل إلى الآخرين؛ إلى المجتمع أو إلى الزمن، وكأن الإصلاح مهمة معلقة في الهواء، تنتظر نوايا حسنة أو ظروفا مواتية، بينما جوهر المسؤولية العامة هو تحويل "يجب" إلى "نفذنا"، و"أنجزنا"، و"سوف نحاسب على ما قصرنا فيه"، فوظيفة المسؤول ليست تقديم أمنيات، بل وضع خطط وجداول زمنية وأهداف واضحة بمؤشرات قياس.تحسين الخدمات، على سبيل المثال، لا يبدأ بقول "يجب رفع مستوى الخدمة"، بل بتشخيص دقيق للاختلالات، وإعادة هندسة الإجراءات، وتدريب الكوادر، وربط الأداء بالمحاسبة. الخدمة العامة ليست شعارا أخلاقيا، بل منظومة تشغيلية تشمل زمن الإنجاز، والجودة، والكلفة، ورضا الجمهور. وكل تأخير أو تعقيد غير مبرر هو بالضرورة، نتيجة قرار إداري خاطئ، وليس بسبب ظرف قاهر.تطوير البنية التحتية لا يتحقق بالتصريحات، بل باستثمارات ذكية، وتخطيط طويل الأمد، وتكامل بين المركز والأطراف. شبكة الطرق والنقل العام والمياه والطاقة والاتصال الرقمي؛ كلها أعصاب الاقتصاد والحياة اليومية، وحين تضعف، فإن هذا الضعف لا بد أن ينتقل إلى النمو الاقتصادي بشكل عام، ولا بد أن تتعاظم كلفة المعيشة، ويتسع الفارق بين العاصمة والأطراف بما يهدد العدالة المجتمعية، فالبنية التحتية ليست مشاريع إسمنتية فحسب، بل رافعة للعدالة المكانية والفرص المتكافئة.أما السياحة، فلا ترتفع عوائدها بقول "يجب أن نروّج"، بل بإستراتيجية واضحة من محتوى احترافي يروي قصة المكان، ومن خلال تسهيل إجراءات، وشبكة طرق آمنة تربط جميع الأماكن السياحية والأثرية، وتزويد تلك الأماكن بالخدمات الكاملة، وتدريب العاملين، وتنويع المنتج السياحي على مدار العام. السياحة صناعة، والصناعة تدار بسلاسل قيمة، لا بعبارات إنشائية. وكل دينار يستثمر بذكاء في هذا القطاع يعود أضعافا على التشغيل والنمو.والاستثمار الأجنبي لا يتدفق لأن مسؤولا قال "يجب أن نجذب المستثمرين"، بل لأن البيئة الاستثمارية صارت قابلة للتنبؤ من خلال تشريع مستقر، وإجراءات سريعة، وحوافز مدروسة، وبيروقراطية خادمة لا معيقة. المستثمر لا يشتري خطابا، بل يشتري ثقة. والثقة تبنى بالأفعال المتراكمة، لا بالتصريحات والمؤتمرات الصحفية.رفع الناتج المحلي الإجمالي، وخفض الفقر والبطالة، ليست أهدافا تجميلية مخصصة للخطب العصماء، بل نتائج لسياسات متسقة، تقاس بأرقام شفافة. المواطن لا ينتظر معجزة، ولا يطلب المستحيل؛ يطلب فقط أن يتوقف المسؤول عن قول "يجب"، وأن يبدأ بقول "نحن مسؤولون"، عندها فقط، تتحول الكلمة من عبء لغوي إلى فعل وطني.