أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الخزاعلة يكتب: استجواب العمل في قفص المساءلة: أسئلة تفضح السياسات


د. أيمن الخزاعلة
رئيس جمعية الهندسة السياسية

الخزاعلة يكتب: استجواب العمل في قفص المساءلة: أسئلة تفضح السياسات

 د. أيمن الخزاعلة
د. أيمن الخزاعلة
رئيس جمعية الهندسة السياسية
مدار الساعة ـ

ما حدث لم يكن تباينًا عابرًا في الرأي ولا احتكاكًا سياسيًا تقليديًا، بل كان تفجيرًا محسوبًا لملف طالما أُدير بمنطق التجزئة والتسكين. الأسئلة المئة لم تُطرح بوصفها استفسارات إجرائية، بل جاءت كمذكرة اتهام مكتملة الأركان ضد نمط إدارة سوق العمل، حيث جرى تفكيك الخطاب الرسمي قطعة قطعة، وإعادته إلى ميزان المعايير الدولية للعمل اللائق كما أقرتها منظمة العمل الدولية، لا كما تُستهلك في البيانات. هنا انتقل النقاش من سطح الإنجاز المعلن إلى عمق الأثر الاجتماعي، ومن لغة الأرقام إلى لغة الحقوق.

في جوهر هذه المرافعة، يتكشف الخلل الأول في فلسفة التشغيل ذاتها، حيث ما زالت السياسات العامة أسيرة مقاربة كمية تختزل التشغيل في عدد العقود الموقعة، لا في نوعية فرص العمل أو استدامتها أو قدرتها على إخراج العامل من دائرة الهشاشة. تُضخ الموارد العامة في برامج نشطة لسوق العمل دون مؤشرات واضحة على الاستبقاء أو الإنتاجية أو الانتقال إلى عمل مستقر، فيتحول التشغيل إلى أداة تدوير بطالة لا إلى رافعة نمو. المقاربة العالمية الحديثة تفترض أن الوظيفة اللائقة هي تلك التي تضمن الأمان الوظيفي، والدخل الكافي، وإمكانية التطور، وهو ما يستدعي إعادة توجيه السياسات من دعم الطلب الشكلي على العمل إلى تحفيز القطاعات القادرة على خلق وظائف منتجة ومستدامة، مع إدماج النساء والشباب بوصفهم فاعلين اقتصاديين لا حالات اجتماعية.

ويتعمق الخلل عند بوابة الأجور، حيث ينفصل الحد الأدنى للأجور عن مفهوم الأجر المعيشي، ويتحول إلى رقم اسمي لا يعكس التضخم ولا كلفة إعادة إنتاج قوة العمل. الأجر الحقيقي يتآكل، والفجوات الأجرية، لا سيما بين الجنسين، تتكرس في غياب رقابة فعّالة وآليات إنفاذ رادعة. في الأدبيات العمالية العالمية، يُنظر إلى الأجر كحق إنساني مرتبط بالكرامة، لا كمعادلة محاسبية، ما يفرض ربط الأجور بمؤشرات كلفة المعيشة، وتعزيز التفتيش القائم على المخاطر، وتغليظ العقوبات بحيث تصبح مخالفة معايير الأجور عبئًا اقتصاديًا على صاحب العمل لا خيارًا مربحًا.

أما الحماية الاجتماعية، فتظهر بوصفها الحلقة الأضعف في سلسلة الأمان، مع اتساع رقعة الاستثناءات وبقاء شرائح واسعة من العاملين، خصوصًا في الاقتصاد غير المنظم والعمل غير النمطي والعمل عبر المنصات، خارج مظلة الضمان. هذا الواقع لا ينسجم مع مفهوم الأرضية الوطنية للحماية الاجتماعية، التي تشكل حجر الزاوية في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. المعالجة لا تكون بتقليص الالتزامات، بل بتوسيع الشمول عبر أدوات مرنة، وضمان استدامة الصناديق من خلال حوكمة رشيدة وتوزيع عادل للكلفة، بما يحول دون تحميل العامل وحده تبعات المخاطر.

وعند مستوى التشريع، يتضح أن الفجوة ليست في النصوص بقدر ما هي في قابلية الإنفاذ. قانون العمل، رغم تعديلاته، ما زال يعاني من ضعف الامتثال، وتواضع فعالية التفتيش، وبطء مسارات الانتصاف، ما يحوّل الحماية القانونية إلى وعد مؤجل. في التجارب المقارنة، لا تُقاس قوة القانون بعدد مواده، بل بقدرة العامل على الوصول إلى العدالة بسرعة وكلفة معقولة، وباستقلالية أجهزة الرقابة، وبالانتقال من تفتيش إحصائي إلى تفتيش قائم على الأثر والنتائج.

ولا يكتمل مفهوم العمل اللائق في ظل تقييد الحريات النقابية وإفراغ الحوار الاجتماعي من مضمونه. العامل الذي لا يمتلك صوتًا تفاوضيًا، ولا إطارًا تمثيليًا مستقلًا، يبقى الطرف الأضعف في علاقة عمل غير متكافئة. المعايير الدولية تعتبر المفاوضة الجماعية والتنظيم النقابي أدوات توازن لا تهديدًا للاستقرار، وتؤكد أن الحوار الاجتماعي الحقيقي هو صمام أمان للاقتصاد قبل أن يكون مكسبًا للعمال. فتح المجال أمام تمثيل عمالي تعددي، وحماية القيادات النقابية، والاعتراف بالإضراب كحق منظم، كلها شروط لتحويل سوق العمل من ساحة إملاء إلى فضاء شراكة.

وتبلغ المرافعة ذروتها عند مسألة السلامة والصحة المهنية، حيث لا يعود الحديث عن شروط العمل، بل عن الحق في الحياة. ارتفاع الإصابات والوفيات المهنية مؤشر إخفاق جسيم لا يُعالج بتكثيف الجولات التفتيشية الشكلية، بل ببناء ثقافة وقاية، وتشديد المسؤولية القانونية، وحماية المبلّغين عن المخاطر والانتهاكات. العمل اللائق يبدأ من بيئة عمل آمنة، وأي سياسة تتسامح مع هذا الملف إنما تقايض حياة العامل بالكلفة.

بهذا المعنى، لا تشكل الأسئلة المئة عبئًا على الوزارة، بل مرآة قاسية لواقع يحتاج إلى مراجعة شاملة. هي دعوة للانتقال من إدارة سوق العمل بمنطق تقني ضيق إلى إدارته بوصفه عقدًا اجتماعيًا، ومن التعامل مع العامل كرقم في تقرير إلى الاعتراف به كصاحب حق. فالعمل، وفق كل المعايير العالمية، ليس مجرد وسيلة كسب، بل أساس الكرامة الإنسانية، وأي سياسة لا تنطلق من هذه الحقيقة محكوم عليها أن تفشل، مهما بدت منمقة في الخطاب.

مدار الساعة ـ