مدار الساعة -لا تزال بعض رسائل الماضي مُغلقة بإحكام كأنها تعاند الزمن نفسه، عصية على الفهم رغم محاولات العلماء العديدة لفك شفراتها المنقوشة على الحجارة والفخار والخشب منذ آلاف السنين.
هذه الأنظمة الكتابية الغامضة تمثل واحدة من أعقد التحديات في علمي الآثار واللغويات، إذ لا تتوافر لها قواميس، ولا قواعد نحوية، ولا نصوص مترجمة، ما يجعل فك شفرتها أشبه بمحاولة حل لغز بلا مفاتيح. ومع تصاعد الحديث عن قدرات الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الآلة أن تفك ما عجز عنه الإنسان؟تقول سفينيا بونمان، عالمة اللغويات في جامعة كولونيا والمتخصصة في اللغات التاريخية، إن التعامل مع هذه النصوص يشبه التواصل مع حضارة مفقودة عبر فجوة زمنية سحيقة، فكل نقش غير مفهوم هو رسالة وصلت إلينا، لكننا لا نعرف لغتها بعد، كما لو أننا ننظر من نافذة صغيرة على عالم انطفأ منذ آلاف السنيننقوش قليلة وأسئلة بلا إجاباتمن بين أكثر هذه الأنظمة غموضاً، تبرز كتابة "إيبي- أولمك" في جنوب المكسيك، حيث لا تتجاوز النقوش المكتشفة عدداً محدوداً، وغالباً ما تأتي بلا سياق أثري واضح، ما يجعل ربط الرموز بمعانٍ أو أصوات مهمة شبه مستحيلة.ولا يقل الغموض تعقيداً في حضارة "هارابا" شمال غرب الهند وباكستان، إذ تظهر الرموز على أختام وشظايا فخارية قصيرة جداً، إلى حد يصعب معه الجزم إن كانت تمثل لغة مكتملة أم مجرد علامات إدارية أو طقسية.أما كتابة "رونغو رونغو" في جزيرة القيامة، فهي من أكثر الكتابات إثارة للحيرة، حيث تتكون من رموز تصويرية مجردة تُظهر طيوراً وبشراً وأشكالاً هندسية، لكنها محفوظة على ألواح خشبية قليلة ومتضررة، ما يقلص فرص تحليلها إحصائياً.وفي جزيرة كريت، تركت الحضارة المينوية إرثاً كتابياً معقداً يضم ثلاثة أنظمة، ورغم نجاح العلماء في فك الخط "ب" لارتباطه باليونانية القديمة، بقي الخط "أ" والهيروغليفية الكريتية لغزين، إلى جانب قرص فايستوس الفريد، الذي يحمل رموزاً محفورة حلزونياً دون أي مثيل آخر يمكن المقارنة به.كما تظل اللغة "الإتروسكية" في وسط إيطاليا مثالاً صارخاً على الغموض اللغوي؛ فالأبجدية معروفة ومقروءة، لكنها لا تقود إلى فهم المعنى، لأن اللغة نفسها لا تنتمي إلى أي عائلة لغوية معروفة. وينطبق الأمر ذاته على الكتابة "العيلامية" الأولى في إيران، وهي من أقدم أنظمة التدوين الإداري، لكنها مجزأة، واللغة التي تقف خلفها ما تزال مجهولة.العقبة الكبرىالقاسم المشترك بين هذه اللغات هو افتقارها إلى ما يُعرف بـ "حجر رشيد"، أي نصوص ثنائية اللغة تسمح بالمقارنة وبناء الجسور بين المجهول والمعلوم، وبدون هذه المفاتيح، يصبح الربط بين الرمز والصوت أو المعنى ضرباً من التخمين.وترى بونمان أن فك الشفرة ليس مستحيلاً من حيث المبدأ، كما حدث مع الخط "ب"، لكن الأمر يتطلب استمرارية زمنية أو إشارات واضحة مثل أسماء أماكن أو حكام أو آلهة. أما حين تكون النصوص شديدة القِصر، أو مواقع اكتشافها سيئة التوثيق، فإن اختبار الفرضيات العلمية يصبح مهمة شبه مستحيلة.هل الذكاء الاصطناعي هو المنقذ؟مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، بات الأمل معقوداً على قدرته في تحليل الأنماط، ورصد التكرارات، واستكمال الأجزاء المفقودة. غير أن بونمان تحذر من الإفراط في التفاؤل، موضحة أن هذه الأنظمة تحتاج إلى كميات ضخمة من البيانات لتعمل بكفاءة، وهو ما لا يتوافر في معظم هذه الحالات.وتضيف أن الذكاء الاصطناعي لا "يفهم" بالمعنى الإنساني، بل يعيد ترتيب ما هو موجود بالفعل، وقد تبدو نتائجه مقنعة، لكنها أحياناً تعكس توقعات الباحث أكثر مما تكشف حقيقة اللغة، ما قد يقود إلى استنتاجات مضللة.ورغم كل ذلك، ربما تكمن القيمة الحقيقية لهذه اللغات الغامضة في بقائها عصية على الفهم، كونها تذكير أن الماضي ليس كتاباً مفتوحاً بالكامل، وأن بعض الأصوات ستظل صامتة، مهما بلغت قدرة الآلة.رسائل صامتة من حضارات مفقودة.. لماذا تعجز البشرية عن فك شفرات الماضي؟
مدار الساعة ـ











