أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

نظارة الخلود: كيف تعيد الآخرة تشكيل وعينا بالواقع؟

مدار الساعة,شؤون دينية
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -لن يفهم الانسان الإسلام ولن يدرك جوهر رسالته ما لم تستقر في يقينك حقيقة واحدة:إن الآخرة حياة كاملة، حقيقية، فعلية، ملموسة، بل هي الحياة الحقيقية التي يعيشها الانسان.

المؤقت اليوم. مؤقت للاختبار ثم الى جنة او نار.

نعم. كثيراً من شرائع الإسلام وأوامره ستظل غامضة أو ثقيلة على النفس ما لم تُقرأ من خلال نظارة الخلود.

معادلة الإسلام ليست مصممة لتكتمل في الدنيا. الجزء الأكبر من الجزاء، والتعويض، وجبر الخواطر، ليس هنا، بل هناك، عنده سبحانه.

تآكلت بصيرتنا تحت وطأة المادية الطاغية.

وبرمجتنا ثقافة الآن وهنا.

وسيطرت علينا عقلية المكافأة الفورية.

صرنا نقيس الدين بمسطرة الدنيا ومكاسبها العاجلة.

وهذا ظلم كبير لأنفسنا.

عندما تتعامل مع الإسلام بمنطق (ماذا سأستفيد الآن؟)، ستجد صعوبة في فهم: لماذا الصبر؟ لماذا العفو؟ لماذا غض البصر؟ لماذا التضحية بالمال والنفس؟

لكن بمجرد أن تدرك أنك في (قاعة امتحان).

وأن (حفل التخرج وتوزيع الجوائز) في مكان آخر وزمان آخر = ستتغير نظرتك للوجود بأسره.

المصيبة ليست في أننا ننسى الآخرة، المصيبة أننا نظنها (فكرة) أو (رمزاً) وليست واقعاً مادياً قادماً لا محالة، وهو أشد حقيقةً من واقعنا هذا.

ما دليلي على ذلك؟

لا بأس، سأخبرك

هل توقفت من قبل عند لفظة (الحيوان) في القرآن الكريم؟

القرآن الكريم استخدم لفظاً عجيباً ليفرق بين حياة الدنيا وحياة الآخرة.

يقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 64].

في اللغة، صيغة (فَعَلان) تدل على الحركة والامتلاء بالحياة.

ما القصد؟

المعنى أن حياتنا الدنيا مقارنة بالآخرة هي مجرد صورة باهتة أو مثل حالة النوم مقارنة بحالة الاستيقاظ، وأن الحياة التي تدب فيها الروح حقاً هي الآخرة.

بالإضافة إلى أن الإسلام يؤسس لمبدأ أن المؤمن في الدنيا غريب.

وهذا واضح في الحديث الشريف الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما لما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).

الغريب لا يبني قصراً في فندق، وعابر السبيل لا يغتر بمتاع الطريق، لأن عينه على الوطن = (الآخرة).

علم النفس الحديث يتحدث عن (تأجيل اللذة) كعلامة على النضج العقلي. الإسلام هو التطبيق الأعظم لهذا المفهوم؛ فهو يطلب منك ترك محرمات (لذات عاجلة) لأجل (لذات آجلة) أعظم وأبقى.

المادية تريدك عبداً للحظة، والإسلام يريدك سيداً لغرائزك، مستثمراً في أبديتك.

ومن القواعد التي تكلم عنها ابن تيمية كثيراً رحمه الله = مسألة العدالة المطلقة، لا يوجد عدالة مطلقة في الدنيا.

تخيل معي لو كانت الدنيا هي كل شيء، لكان الوجود عبثاً وظلماً، لأن الظالم قد يموت منعماً والمظلوم يموت مقهوراً.

حقيقة وجود الآخرة والحساب والجنة والنار = هي التي تعطي للحياة معنى أخلاقياً، وهي التي تغذي الصبر.

*لافتة:

لُبَّ الكثير من الأمراض النفسية والفكرية المعاصرة مثل:

النسوية ومظاهرها (رفض التعدد، والتشكيك في بعض الأحاديث الشرعية، وسلطة المرأة، ورفض القوامة وغير ذلك) = يكمن في (العمى عن الآخرة).

فالعقل الذي لا يستحضر وجود حياة حقيقية وعوضاً إلهياً بعد الموت، يقع اضطراراً في فخ المادية، فيرى الدنيا هي الفرصة الوحيدة والنهائية للوجود.

عندها ..

يتحول كل تفاوت قدري أو اختلاف في الأدوار إلى (ظلم كوني) لا يُحتمل، وتصبح الحياة صراعاً صفرياً لانتزاع المكاسب اللحظية، لأن صاحب هذا الفكر يشعر أنه إن لم يأخذ (حقه المادي) كاملاً الآن، فلن يأخذه أبداً.

الحمد لله على نعمة الآخرة، وعلى نعمة الجنة والنار.

ونعوذ بالله من طول الأمل.

ونعوذ بك من التعلق بالوهم.


مدار الساعة ـ