أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العبادي يكتب: شاس بن قيس في حلته الحديثة.. العنف الرمزي من يهود المدينة المنورة إلى إسرائيل اليوم


الدكتور بركات النمر العبادي
نائب سابق

العبادي يكتب: شاس بن قيس في حلته الحديثة.. العنف الرمزي من يهود المدينة المنورة إلى إسرائيل اليوم

مدار الساعة ـ

حين نقف عند سيرة شاس بن قيس ، أحد زعماء يهود المدينة في عهد النبوة ، لا نقرأ سطرًا من التاريخ بقدر ما نلمح ملامح لوجه لم يختفِ ، بل تنكّر بأقنعة جديدة ، وامتد في الجغرافيا والسياسة ، حتى بلغ عمق المشهد العربي المعاصر ، شاس هذا لم يكن مجرّد رجل يضمر الكراهية للإسلام ، بل كان رمزًا لنهج قائم على ما يمكن تسميته اليوم بـ"العنف الرمزي والناعم" ؛ عنف لا يُمارَس بالسيف ، بل يتسلل عبر الكلمة ، والإشاعة ، والتشكيك ، وبثّ الفتنة في ثياب "النقد" و"الحرية".

في لحظة سياسية دقيقة ، وحين كان الإسلام قد نجح في توحيد الأوس والخزرج تحت راية واحدة ، استشاط شاس غضبًا ، لأنه أدرك أن الوحدة أخطر عليه من السيف ، فدسّ رجاله بين الجموع ، يذكّرونهم بأيام الجاهلية وسيوف بعاث ، فانبعثت نعرات دفينة كادت تُشعل المدينة حربا ، لم يكن هدفه السيطرة على الأرض ، بل على الوعي ، لم يكن سلاحه الحديد ، بل الخطاب ، وهذا النمط من السلوك لم يكن حكرًا على شاس بن قيس ، بل هو سلوك متكرر تجسّد في بني قينقاع ، وبني النضير، وبني قريظة ، الذين نكثوا العهود ، وحرّضوا الداخل ، وتحالفوا مع الخارج ، في محاولة دؤوبة لتفكيك مشروع الأمة وهي بعدُ في مهدها ، واليوم، بعد قرون، نشهد الصورة ذاتها تتكرر، ولكن بوسائل أكثر تطورًا ، وأدوات أكثر خفاءً ، إسرائيل، وريثة المشروع الصهيوني الحديث ، تمارس شكلاً متقنًا من العنف الرمزي والناعم ، لا يختلف في جوهره عمّا فعله أسلافهم من يهود المدينة، بل يزيد عنه تنظيمًا وتأثيرًا.

فإسرائيل لا تكتفي بالاحتلال العسكري ، بل تمارس احتلالًا للوعي العربي ، من خلال أدوات إعلامية وسياسية ناعمة ، تُعيد إنتاج المفاهيم ، وتُحرّف الاتجاهات ، وتُشوّه رموز المقاومة ، وتُغلف كل ذلك بخطابات "السلام" و"الواقعية السياسية". إنها تسعى لتفكيك الإجماع العربي ، تمامًا كما سعى شاس بن قيس لتفتيت وحدة الأوس ، إنها لا تقصف بالصواريخ فقط ، بل بالكلمة ، بالصورة ، بالسردية المفخخة ، و تزرع في العقول ما يُضعف الانتماء ، ويُربك الولاء ، وتغذّي في الوعي العربي شعورًا دائمًا بالعجز والهزيمة. ذلك هو جوهر العنف الرمزي ؛ أن يُفرغ الإنسان من ثقته بذاته وأمته دون أن يُطلق عليه رصاصة واحدة.

وهنا ، تكمن خطورة هذا العنف ، لأنه لا يُقاوَم بالشعارات ولا يُكشَف بسهولة ، بل يتطلب وعيًا نقديًا عميقًا ، وإعلامًا تفسيريًا لا يكتفي بنقل الخبر بل يُعيد بناء المعنى ، ويُفكك البُنى الخطابية التي تخفي العداء خلف أقنعة "الحياد" و"التحليل".كما يتطلب هذا الوعي وجود نخب فكرية وثقافية تتقدم الصفوف ، تُحصّن الجمهور من الانجرار وراء الصور المشوّهة ، وتُعيد الثقة بالحق العربي دون الوقوع في فخ الخطاب التبريري ، الذي يُخدّر الوجدان ويُفرغ الموقف من مضمونه.

إن العنف الرمزي الذي مارسه شاس بن قيس في المدينة المنورة ، يُمارَس اليوم على نطاق أوسع وبأدوات أكثر نُعومة ، لكن الهدف واحد: تفكيك اللحمة الداخلية ، وتشويه الرمز، وتقويض الثقة بالمشروع العربي الحضاري ، فكما أدرك النبي ﷺ خطورة الكلمة المفخخة ، وأبصر وراءها مشروعًا تفكيكيًا خبيثًا ، علينا اليوم أن نعيد النظر في معاركنا. ليست كل الحروب بالمدفع ، وبعض أخطر المعارك تُخاض في ساحات الوعي ، وتُحسم في قلوب الناس وعقولهم.

حمى الله الاردن و سدد على طريق الحق خطى قيادته وشعبه .

مدار الساعة ـ