أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحنيطي تكتب: مريم اللوزي.. وردة في سجل العظماء


إيمان الحنيطي

الحنيطي تكتب: مريم اللوزي.. وردة في سجل العظماء

مدار الساعة ـ

في البدء، حين تخفت ضوضاء العالم، وينصت القلب السمع لصدى الأرواح النبيلة، ندرك حينها أن للموت وجهاً آخر غير الفناء، وجهاً يفيض سناءً ويسمّى الخلود. فثمة أرواح لا تُوارى حقاً حين يُوارى جثمانها الثرى، لأنها سبقت ظلها إلى معاني الحياة، واستوطنت الوجدان قبل أن تسكن التراب. وثمة أسماء إذا ذُكرت، انفرج في جيد اللغة عقد من ضياء، وتقدمت الحروف خاشعة مطأطئة، لأنها تقف أمام سيرة لا تُختزل، وأثر لا يُمحى. في هذا المقام، تطل الدكتورة مريم اللوزي لا كذكرى عابرة، بل كحضور سرمدي، وكقيمة تمشي في ذاكرة الوطن بوقار النور وثبات الجبال، نور لا يخبو ولا يموت.

لم تكن الدكتورة مريم مجرد عابرة في فيافي التربية، بل كانت نصاً سيادياً في كتاب العطاء، وسيرة تُقرأ بالبصيرة قبل البصر. كانت من أولئك الذين إذا حضروا أسروا المكان بهيبتهم، وإذا مضوا تركوا وراءهم فراغاً لا يسده من بعدهم، فمريم لم تشغل حيزاً إدارياً، بل شكّلت معنى وجودياً. هي المنارة السامقة في ليل التحديات، والسنديانة الوارفة التي ضاربت جذورها في أديم الرسالة، فكانت عالية الهامة، عصية على الانكسار، لا تنحني إلا لبارئها أو لغرس فضيلة.

وفي حقبة تآكلت فيها قداسة الحرف، وترنحت هيبة المربي تحت وطأة الاستسهال، وقفت مريم اللوزي حارساً أميناً على ثغور القيم. آمنت أن التعليم ليس سباقاً نحو الأوراق الموقعة، بل هو صناعة لتحويل النفوس إلى معادن نفيسة. لم ترَ في صرحها التعليمي جدراناً وأبواباً، بل رأت وطناً قيد التشكيل، تُبنى فيه الشخصية كما تُبنى القلاع، بأساس متين وأعمدة لا تقبل الممالأة. لذا، كانت الصرامة عندها شكلاً من أشكال الوفاء، والانضباط كرامة تليق بطلبة العلم، فحوّلت مدرستها إلى محراب جودة نال من الجوائز أعلاها، ليس رغبة في التباهي، بل لأن التميّز كان قدرها المحتوم وثمرة إخلاصها المعهود، وجوهرت فضائلها تألقت في كل حجر من حجر المدرسة، وفي كل زاوية من زوايا العلم.

من اقترب من مشكاة روحها، وجد بحراً يجمع بين مد الحزم وجزر الحنان، فهي الأم التي تحرص على أبنائها حرص الشحيح على ثروته، وهي المربية التي ترى في كل طالبة وعداً وطنياً يجب أن يزهر. كانت قاسية حين تكون القسوة وقايةً من زلل الزمان، ولينة حين يكون اللين ترميماً لكسور النفس. لا يرتفع صوتها إلا ليعلي منار الحق، ولا تشتد إلا ليبقى ميزان العدل مستقيماً. فصارت في عيون بناتها أيقونة للقيادة الأنثوية التي تجمع بين رقة الياسمين وصلابة السنديان، بين الحنان والصرامة، بين العاطفة والعدل، بين القلب والعقل.

ولأن النهر العظيم لا يحبس مسيله في واد واحد، فقد امتد فيضها إلى قبة البرلمان، حاملة معها عباءة التربية ونقاء السريرة. لم تدخل العمل النيابي استجداء للأضواء، بل دخلته لتسلط الضوءَ على جراح الناس. كانت تحت القبة صوتاً رخيّاً يحمل ثقل الحجة، وضميراً يقظاً يرى في التشريع أمانة تُعرض على الجبال. ويخلد لها التاريخ بمداد من فخار إذ اجتازت المنافسة في دائرتها متفوقةً على جميع المرشحين رجالاً ونساءً، فكانت الأولى بلا أي كوتة نسائية، لتثبت أن العزيمة والإرادة والجدارة أعلى من كل اعتبار، وأن المكانة الحقيقية تُمنح لمن يرفع راية الكفاءة فوق كل اعتبارات. ويُحسب لها أيضاً موقف خلد في الذاكرة، حين وقفت بجسدها النحيل حائلاً دون وقوع جريمة نكراء داخل أروقة البرلمان، حامية كرامة المؤسسة وصوناً للدماء، مبرهنة أن المرأة النشمية صمام أمان حين تضطرب البوصلة.

وعندما نذكر المكان الذي أحبته وأحبها، تعود الجبيهة بوصفها ذاكرة حيّة لا حيّاً جغرافياً فحسب، هناك تركت الدكتورة مريم شيئاً من روحها في الجدران، وفي الساحات، وفي خطوات الصباح الأولى. أعطت المكان من عمرها وفكرها ما لا يُقاس بالسنوات، حتى صار حضورها فيه شبيهاً بالعطر، لا يُرى، لكن يُحَس، ولا يغيب، حتى حين يغيب صاحبه. رحلت مريم اللوزي وهي في ذروة عطائها، فكان رحيلها فاجعة تليق بعظمة الخسارة. لكن الغياب في عرف العظماء ليس انطفاءً، بل هو استحالة إلى كوكب دري يهدي السائرين. تركت وراءها جيشاً من اللواتي يحملن جيناتها الفكرية، ويمضين في الحياة بآنفة تليق بمن تعلمت في مدرسة اللوزي. فسلام على روحها الطاهرة في الخالدين، وسلام على سيرة عطرة ستظل تُتلى كلما أشرق فجر علم، وكلما صدح صوت حق. وجزاك الله عن الأردن وأهله خير ما يجزي الصادقين المخلصين، وطبت في مقام الصدق عند مليك مقتدر.

مدار الساعة ـ