شكّل الأردن محضنًا وملاذًا آمنًا للهجرات المتعاقبة منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، حتى غدا هذا النهج الإنساني في احتضان الشعوب المقهورة والفارين من الاضطهاد، ومن سطوة التعذيب والاحتلال ومناطق الصراعات والحروب، أشبه بعقيدة راسخة في وجدان الدولة والمجتمع، تجسّدها القيادة الهاشمية وعلى رأسها جلالة الملك عبد الله الثاني، امتدادًا لإرث والده وجده.
والحقيقة أن إيواء اللاجئين في الأردن لم يكن يومًا مجرد صدفة عابرة فرضتها ظروف سياسية أو عسكرية طارئة، بل تجاوز ذلك ليصبح ثقافة مجتمعية راسخة وموقفًا سياسيًا تشكّل عبر آلاف السنين، وامتد أثره ليغدو أحد ملامح الهوية الوطنية الأردنية.فمنذ أقدم موجات الهجرة البشرية في هذه المنطقة، مرورًا بانهيارات حضارية وصراعات تاريخية، وصولًا إلى حروب العصر الحديث، حافظ الأردن على دوره الريادي والإنساني كحاضنة للضيوف والمضطهدين من مختلف بقاع الأرض، انعكاسًا لقيمه الحضارية والإنسانية التي تفيض كرمًا وأخلاقًا على مستوى القيادة والشعب. ولم يقتصر هذا الدور على الاستقبال وحده، بل امتد ليشمل القدرة على إدارة هذا التنوّع السكاني بحكمة سياسية وأمنية واجتماعية، حافظت على السلم الأهلي ومنعت تحوّل اللجوء إلى صراعات داخلية.ولا يبدو هذا الدور غريبًا على هذه الأرض المباركة، التي عاش فيها أنبياء الله شعيب ولوط وسليمان وموسى وأيوب وغيرهم، فبركة الأنبياء منحتها بُعدًا روحيًا ودينيًا وأخلاقيًا رفيعًا. كما شكّل الأردن مسرحًا لأحداث تاريخية كبرى، مثل معركة مؤتة التي انطلقت منها رسالة الإسلام إلى العالم، وكان أول صلح عقده النبي محمد ﷺ خارج جزيرة العرب مع أهل آيلة في الأردن، ما أسّس مبكرًا لقيم التعايش والوفاء بالعهد واحترام الآخر.ولا شك أن هذه الأبعاد الروحية والتاريخية أسست لثقافة التسامح وقبول الآخر، وسهولة التعايش معه ودمجه في المجتمع الأردني بقيمه وتراثه، بكل يسر وأمان، وهي قيم لم تبقَ حبيسة الخطاب الديني أو التاريخي، بل تحولت إلى سلوك يومي وممارسة اجتماعية وسياسية.وفي العصر الحديث، واصل الأردن هذا الدور باستقبال موجات متعاقبة من اللاجئين، في مشهد إنساني يعكس عمق هذا الإرث التاريخي. وأسهم المجتمع الأردني، بعشائره ومدنه وقراه، في ترسيخ ثقافة الاحتضان عبر قيم الجوار والتكافل الاجتماعي، فكان شريكًا حقيقيًا للدولة في تحمّل أعباء اللجوء، لا متلقيًا سلبيًا لقراراتها.ومن هذا المنطلق، تأتي تأكيدات جلالة الملك عبد الله الثاني بأن ثقافة الأردنيين تنطلق من قيم الشرف والكرامة، المستمدة ممن أسسوا الدولة الحديثة من الآباء والأجداد. وهو ميراث أخلاقي شكّل الأساس المتين الذي يقوم عليه دور الأردن كملاذ آمن، حيث يرى الشعب الأردني في إيواء المضطهدين واللاجئين قيمة اجتماعية ودينية وأخلاقية رفيعة، رغم ما يشكله ذلك من ضغط اقتصادي هائل على موارد المملكة وخدماتها المحدودة.ورغم أن الأردن لا يرتبط باتفاقيات دولية مُلزِمة في ملف اللجوء، إلا أنه التزم عمليًا بمعايير إنسانية تجاوزت في كثير من الأحيان الالتزامات القانونية لدول كبرى، ما يعكس التزامًا أخلاقيًا نابعًا من القيم لا من النصوص وحدها.وفي هذا السياق، لقد تحوّل الأردن، عمليًا، إلى استثناءٍ أخلاقي في نظام دولي يعاني من ازدواجية المعايير، حيث تراجعت القيم الإنسانية أمام الحسابات السياسية والاقتصادية. فأصبح يسدّ فراغًا أخلاقيًا عالميًا، يطرح تساؤلًا مشروعًا: لماذا تتحمّل دول محدودة الموارد عبئًا أخلاقيًا بهذا الحجم، بينما تعجز منظومة دولية كاملة عن تحمّل ولو جزءٍ يسيرٍ من المسؤولية، أو عن دفع ثمن هذا الالتزام الإنساني؟.كما أن اللجوء الممتد عبر عقود لم يعد حالة طارئة عابرة، بل تحوّلًا اجتماعيًا طويل الأمد، يتطلب سياسات عميقة ومتوازنة تحمي الهوية الوطنية، دون إقصاء الآخر أو المساس بكرامته الإنسانية.وقد دفع الأردن ثمنًا باهظًا للحفاظ على مرتكزاته الفكرية والإنسانية والأخلاقية، إذ احتضن أكثر من أربعة ملايين لاجئ، معظمهم من سوريا، إلى جانب مجموعات من ليبيا واليمن والسودان والصومال، يعيش نحو 81% منهم في المناطق الحضرية. وقد تحمّلت الدولة تكاليف إيوائهم من حيث توفير الملاجئ وخدمات الصحة والتعليم وفرص العمل والتدريب من موازنتها الخاصة.ووفقًا لما ذكره جلالة الملك عبد الله الثاني، فإن اللاجئين يشكّلون نحو ثلث سكان الأردن، البالغ عددهم أحد عشر مليون نسمة. كما تشير تصريحات أمين عام وزارة التخطيط، مروان الرفاعي، إلى أن الأردن تحمّل خلال سنوات الاستضافة تكاليف مالية بلغت نحو 63 مليار دولار حتى نهاية عام 2022، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد الوطني، وأسهم في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة.ورغم ذلك، فإن هذا الاحتضان الإنساني لا بد أن تحكمه ضوابط تحمي قدرات الأردن وموارده، صونًا لأمنه واستقراره، وضمانًا لاستدامة هذا الدور الأخلاقي. وهي ضوابط لا تتعارض مع القيم الإنسانية، بل تحميها من الاستنزاف والانهيار، وتنطلق من مسؤولية المجتمع الدولي في تقدير الدور الأردني، والإسراع في تقديم الدعم الذي يعوّض الخسائر الفادحة التي تكبّدتها المملكة نتيجة استضافتها للاجئين.كما تبرز الحاجة إلى قيام منظمات شؤون اللاجئين بالعمل على إيجاد صيغ عملية لإعادة اللاجئين إلى بلدانهم فور استقرار الأوضاع فيها واستعادة الأمن، بما يخفف، ولو نسبيًا، من ضغط اللجوء على الأردن، ويحفظ كرامة اللاجئين وحقهم في العودة إلى أوطانهم.وبفضل الله، ثم القيادة الهاشمية الحكيمة، نجح الأردن في الحفاظ على فكرة الدولة متماسكة وقادرة على الاستمرار، رغم الضغوط السكانية والسياسية الهائلة، في وقت انهارت فيه دول تحت أعباء أقل، ما يؤكد أن الاستقرار الأردني لم يكن صدفة، بل ثمرة خيار أخلاقي وإدارة واعية للمخاطر.وهكذا يظل الأردن، رغم التحديات والضغوط، نموذجًا إنسانيًا نادرًا لدولة اختارت القيم قبل المصالح الضيقة، وحافظت على رسالتها الأخلاقية في عالم تتآكل فيه المعايير الإنسانية، مؤكّدًا أن الإنسانية ليست شعارًا سياسيًا، بل ممارسة يومية تتطلب شجاعة أخلاقية وتحمّلًا للمسؤولية.الأردن ملاذ آمن للمضطهدين واللاجئين عبر العصور
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ