أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

النفط أولًا.. الهيمنة الأمريكية تعيد رسم خرائط العالم


د. زيد احسان الخوالدة

النفط أولًا.. الهيمنة الأمريكية تعيد رسم خرائط العالم

مدار الساعة ـ

ما جرى ويجري في فنزويلا لا يمكن فصله عن منطق اللحظة الدولية الراهنة، ولا يجوز اختزاله في خطاب الديمقراطية أو حقوق الإنسان، فهذه العناوين استُهلكت حتى فقدت قدرتها على الإقناع. نحن أمام تحرك أمريكي محسوب، يتجاوز فنزويلا كدولة، ليطال جوهر الصراع العالمي على الطاقة والموارد، في مرحلة بات فيها النفط والغاز خطوط دفاع متقدمة لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.

فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لم تعد عبئًا سياسيًا مزعجًا كما صُوّرت لسنوات، بل تحولت فجأة إلى “ضرورة استراتيجية” في حسابات واشنطن. وهذا التحول لا يُفهم إلا إذا وُضع في سياق عالمي متفجّر: حرب مفتوحة في أوكرانيا تستنزف روسيا، صراع عربي–إسرائيلي مرشح للتمدّد، وتوتر صيني–تايواني قد ينفجر في أي لحظة. في عالم كهذا، لا تنتظر القوى الكبرى اشتعال الحرائق لتبحث عن الماء، بل تضع يدها مسبقًا على الخزانات.

التجربة ليست جديدة. ما فعلته الولايات المتحدة في العراق قبل 2003 كان النموذج الأوضح: خطاب أخلاقي، شيطنة النظام، ثم وضع اليد على قلب الطاقة. ليبيا لم تكن استثناءً؛ فبعد سنوات من التطبيع وفتح الأبواب، سقط النظام حين أصبح خارج المعادلة، وتحولت البلاد إلى فراغ نفطي أمني مفتوح. أما إيران، فالقصة أطول وأوضح: حصار اقتصادي خانق، محاولات احتواء، ثم إدارة الصراع دون إسقاط النظام، لأن النفط هنا سلاح ذو حدين لا يُكسر بسهولة.

الجامع بين هذه الحالات أن المسألة لم تكن يومًا شعوبًا أو ديمقراطيات، بل موارد ومواقع. فنزويلا اليوم تُقرأ بالمنطق نفسه، لكن بأدوات أكثر نعومة وأقل كلفة؛ لا اجتياح عسكريًا، بل تطويع سياسي واقتصادي، وإعادة دمج مشروطة في السوق العالمية، مع ضمان أن يبقى مفتاح النفط بعيدًا عن بكين وموسكو.

التوقيت بالغ الدلالة. الولايات المتحدة تدرك أن الشرق الأوسط لم يعد مضمونًا بالكامل كمصدر طاقة مستقر، وأن أي توسع في الصراع العربي–الإسرائيلي قد يُربك الإمدادات. كما تدرك أن أوروبا تبحث عن بدائل للغاز الروسي، وأن الصين تتحرك بهدوء للاستحواذ على موارد بعيدة عن النفوذ الأمريكي. في هذا السياق، تصبح فنزويلا ورقة تأمين استباقية، وخزان طوارئ استراتيجيًا يُمسك به قبل أن تتعقد الأمور.

غير أن الخطورة الحقيقية لا تكمن في فنزويلا ذاتها، بل في الرسالة التي تُرسل إلى العالم. حين تُقدم واشنطن على تثبيت نفوذها على مصدر طاقة ضخم خارج إطار القانون الدولي الصارم، فإنها تفتح الباب واسعًا أمام منطق “السابِق يربح”. الصين قد تجد في ذلك تبريرًا أخلاقيًا وسياسيًا لأي خطوة تجاه تايوان تحت عنوان الأمن القومي. وروسيا، التي سبق أن دفعت ثمن ترددها في أوكرانيا، قد تُعيد قراءة المجال السوفييتي السابق بمنطق أكثر قسوة.

نحن أمام انتقال واضح من نظام دولي قائم –نظريًا– على القواعد، إلى نظام قائم فعليًا على فرض الوقائع. السيطرة الوقائية باتت هي القاعدة الجديدة: السيطرة على الموارد قبل الحروب، وتطويق الخصوم اقتصاديًا قبل المواجهة العسكرية. وهذا أخطر من الحروب التقليدية، لأنه ينسف ما تبقى من شرعية القانون الدولي، ويحوّل العالم إلى ساحة سباق محموم على مناطق النفوذ.

اللافت أن هذه السياسة، التي يُراد منها منع الانفجار، قد تكون هي نفسها الوقود الذي يسرّعه. فحين تشعر القوى الكبرى أن اللعبة لم تعد تحكمها قواعد واحدة، فإنها ستسعى إلى حجز مكانها بالقوة، لا بالانتظار. وهكذا، بدل أن نقترب من الاستقرار، نقترب من تعدد بؤر الاشتعال، ومن عالم لا يُدار بالأخلاق ولا حتى بالمؤسسات، بل بمن يملك الطاقة أولًا.

في هذا المشهد، لا يبدو أن السؤال الحقيقي هو: من يبدأ الصراع؟ بل: من يملك القدرة على فرض شروطه حين تبدأ الفوضى؟ ومن الواضح أن النفط، مرة أخرى، يقف في قلب الإجابة.

مدار الساعة ـ