أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

القيسي تكتب: التمكين بناء الإنسان نحو المستقبل


نادية ابراهيم القيسي

القيسي تكتب: التمكين بناء الإنسان نحو المستقبل

مدار الساعة ـ

في عالم تناثرت فيه المفاهيم وتمزقت المبادئ، وتوارى الحق من بغي الظلام، تحطم توق العزائم، وضاع جل الغنائم، قُلبت كل الموازين في حرب ضروس شُوهت فيها ملامح الحقائق وأُعدمت مُثل الإنسانية. غدت القيم سرابًا يتلاشى عند المحك بتكاثر الشراذم، وتاه الإنسان بين فوضى الفكر الحاضر وأطلال الزمن الغابر. ينبعث من تحت هذا الركام سؤال النهضة الحائر: هل نقاوم أم نستسلم؟ هل نكتفي بالهامش، أم نصوغ لنا بؤرة من مركز الشمس؟ نعيد بها للحياة معانيها، وللطموحات استحقاقاتها.

التمكين ليس شعارًا يُرفع، ولا تعريفًا يُدرس، بل هو لحظة انعتاق؛ حين يتحرر العقل من وصاية التبعية، وتسترد الروح أنفاسها، وتستيقظ الإرادة من سباتها، فتغرس أقدامها في صخر الواقع، وتسمو بالنفس إلى مدارك أعلى وأعظم. هناك، حيث يلتقي الوعي بالحلم، والمعرفة بالفعل، يولد الإنسان مجدداً بصناعة داخلية، تصهر عناصر الذات في بوتقة واحدة: فكرًا يقظًا، إرادة صلبة، وخطى لا تخشى وعورة الطريق. ومن اكتمال هذه الصناعة تتشكل شخصيات رائدة متحررة، قادرة على أن تكتب مستقبلها بأيديها، وأن ترى في كل عثرةٍ انطلاقة جديدة، وفي كل سقوطٍ درسًا للوقوف. فالإنسان المُمكَّن ليس من يملك الأدوات والمهارات فحسب، بل من يمتلك العزيمة ليواجه التحديات، والبصيرة ليذلل الصعوبات، والحلم ليصنع المعجزات.

التمكين لا يقف عند حدود الفرد المُمكَّن، فحين يجتمع الأفراد في يقظة ادراكية مشتركة يتحول التمكين إلى قوة جمعية نهضوية فائقة، فالنهضة قد تبدأ بومضة فردية، لكنها لا تكتمل إلا بشروق أمة بأكملها، تتسع فيها الطاقات وتتوزع فيها الأدوار، ويصبح كل جيل امتدادًا لمنظومة استراتيجية متكاملة مستدامة متجذرة بالتمكين الذاتي، مثمرة بالتمكين الاقتصادي، مستندة بالتمكين السياسي والعمل العام، ومستظلة بالتمكين المجتمعي. وعليه فإن التمكين هو الامتحان الحقيقي لمدى قدرتنا على تحويل الفكر إلى فعل، والحلم إلى مشروع، والإمكان إلى إنجاز، والإبداع إلى ابتكار. وهو أيضًا مقياس لمقدرة الأوطان على حماية طاقاتها من الهدر، وصون أحلامها من التبدد والاندثار.

لذا فإن التمكين ليس رفاهيةً أو وسمًا للبرامج، بل قدرٌ لا مفرّ منه إن أردنا أن ننهض من جديد. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالإنسان الذي يمنحها المعنى، ويغرس في ترابها بذور الكرامة؛ فإذا لم يُمَكَّن، ظل كغرسةٍ محاصرة لا تنمو، ولا تنتج، ولا تكتشف قدرتها على الامتداد نحو المستقبل.

إن التمكين الحقيقي هو أن نمنح شبابنا فضاءً للتجارب، ليخطئوا فيتعلموا، ويخوضوا السبل بما فيها من هزائم وانتصارات. فالفشل حينها يصبح خبرة مكتسبة، والنجاح مكافأة مستحقة. بهذا المنطلق يتحول القلق من عائقٍ إلى دافع، والخوف من كابحٍ إلى بوصلة، فيصبح الشباب مبحرًا في مجاهيل الغد بثقة الملاح، لا بغربة التائه.

التمكين ليس ختامًا بل بداية؛ ليس محطة وصول، بل مسار عبور. هو الجسر الذي يصل بين ما نحن فيه وما نصبو إليه، وهو البوصلة التي تعيد ترتيب الاتجاهات في وعينا الوطني والقومي. وعندها سيسطع الوهج الكامن في صدور الشباب، ليعانق الآفاق اللامتناهية، فيولد الفجر الذي تستعيد فيه الأمة ملامحها، وتكتب بمجد حديث سِفرها الأبدي في وجه التاريخ.

مدار الساعة ـ