لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على بناء الطرق، أو تطوير الأنظمة، أو تحديث التشريعات، بل بقدرتها على ترسيخ الثقة بوصفها بنية تحتية غير مرئية تقوم عليها فعالية كل ما عداها. فالثقة ليست مفهومًا معنويًا أو رأسمالًا سياسيًا مؤقتًا، بل أصل تشغيلي واستراتيجي يحدد قدرة الحكومة على تنفيذ السياسات، وتمرير الإصلاحات، والحفاظ على الاستقرار المؤسسي، لا سيما في لحظات الضغط والتحول. وعندما تضعف الثقة، تفشل حتى السياسات الجيدة في مرحلة التنفيذ، لا بسبب خلل في تصميمها، بل بسبب غياب القبول والالتزام المجتمعي.
في هذا الإطار، لم يعد من الممكن التعامل مع الثقة العامة باعتبارها نتيجة تلقائية للأداء أو قضية تواصل يمكن معالجتها بالخطاب. التجارب الدولية تُظهر أن الثقة تُبنى أو تُهدر من خلال نمط الحوكمة ذاته: كيف تُتخذ القرارات، وكيف تُنفذ، ومدى اتساقها، وعدالة تطبيقها، وشفافيتها. من هنا، تصبح الثقة العامة عنصرًا بنيويًا في الحكم الرشيد، لا متغيرًا هامشيًا.يوفّر إطار الثقة الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD Trust Framework مقاربة عملية للتعامل مع الثقة بوصفها أصلًا حكوميًا قابلًا للإدارة والقياس. ينطلق هذا الإطار من فرضية واضحة مفادها أن الثقة تُبنى عبر الأداء لا عبر الخطاب، وأنها نتاج خمسة محركات مترابطة: الموثوقية، والاستجابة، والنزاهة، والانفتاح، والعدالة. وتكشف قراءة هذه المحركات في ضوء التجربة الأردنية عن أن التحدي لا يكمن في غياب المبادرات، بل في غياب إدارة منهجية للثقة داخل منظومة صنع القرار.يتجلى ذلك بوضوح في بعد الموثوقية، حيث يؤدي التغير المتكرر في السياسات، أو التراجع عنها، أو تعديل القواعد أثناء التنفيذ، إلى إضعاف قدرة الأفراد والقطاع الخاص على بناء توقعات مستقرة. بناء الثقة في هذا البعد يتطلب سياسات أكثر قابلية للتنبؤ، وأطرًا زمنية واضحة للإصلاحات، وربط أي تعديل جوهري بتفسير معلن يوضح أسبابه وآثاره. فاستقرار القواعد لا يقل أهمية عن جودة السياسات نفسها، وهو شرط أساسي لثقة مستدامة.أما الاستجابة، فتظهر في كثير من الأحيان بوصفها استجابة تحت الضغط لا استجابة مؤسسية مبكرة. تُفتح قنوات الحوار غالبًا بعد تصاعد الاحتقان، لا في مراحل التصميم الأولى للسياسات. تعزيز الثقة هنا يستدعي تحويل المشاركة من ممارسة شكلية إلى أداة مؤثرة، عبر إشراك المعنيين مبكرًا، وربط نتائج المشاورات بمخرجات واضحة وقابلة للتتبع. فالمشاركة التي لا تُغيّر القرار تُضعف الثقة بدل أن تعززها.وتبقى النزاهة حجر الزاوية في الثقة العامة. ورغم وجود أطر قانونية ومؤسسات رقابية متميزة، فإن الثقة تتأثر بمدى عدالة التطبيق وتكافؤ المساءلة. عندما يشعر المواطن بأن المحاسبة غير متساوية، أو أن الأخطاء تُدار إداريًا لا مساءليًا، تتعرض الثقة لانكسار حاد. بناء الثقة في هذا البعد يتطلب توحيد معايير المحاسبة، وتعزيز شفافية نتائجها، وربطها بسلوك مؤسسي متسق يعكس أن القواعد تُطبق على الجميع دون استثناء.ويبرز الانفتاح كأحد أكثر الأبعاد ارتباطًا بإدارة الثقة اليومية. فالقرارات العامة كثيرًا ما تُعلن دون شرح كافٍ لأسبابها أو بدائلها أو كلفها المتوقعة. في غياب الشفافية الاستباقية، يُترك المجال للتأويل والشائعات، وتفقد الحكومة قدرتها على إدارة السرد العام. ترسيخ الثقة في هذا البعد يتطلب أن تُرافق القرارات العامة رواية تفسيرية واضحة، تمكّن المجتمع من فهم القرار قبل الحكم عليه. فما لا يُفهم، يصعب الوثوق به.أما العدالة، فهي الاختبار الأكثر حساسية في بناء الثقة. فعندما يشعر المواطن أن الأعباء الاقتصادية والإصلاحية تتكرر على الفئات نفسها، بينما تبقى المنافع غير واضحة أو غير متوازنة، تتآكل الثقة حتى لو كانت السياسات مبررة من الناحية الفنية. إدماج العدالة في تصميم السياسات يتطلب تقييمًا منهجيًا لأثر القرارات على مختلف الفئات، وضمان توزيع أكثر توازنًا للأعباء والمكاسب، لا سيما في برامج الإصلاح الاقتصادي.تُظهر هذه القراءة أن تحدي الثقة في الأردن ليس أزمة خطاب، بل تحدٍ مرتبط بنمط الحوكمة وإدارة القرار العام. واستعادة الثقة لا تتحقق عبر تحسين التواصل فقط، بل عبر التعامل معها كبنية تحتية استراتيجية تُصمَّم وتُدار وتُحمى. ويتطلب ذلك دمج الثقة ضمن أدوات التخطيط الحكومي، واعتماد مؤشرات منتظمة لقياسها، وربط نتائج القياس بتقويم الأداء وصنع السياسات. فالثقة التي لا تُقاس لا يمكن إدارتها، وتحويلها إلى مؤشر حوكمي يتيح التعامل معها كأصل استراتيجي يجب الحفاظ عليه وتطويره.في المحصلة، الثقة العامة ليست موردًا مجانيًا، بل أصل نادر وعالي الكلفة. والحكومات التي تدير هذا الأصل بوعي استراتيجي، تعزز قدرتها على التنفيذ والاستقرار. أما التي تتجاهله أو تختزله في الخطاب، فستدفع كلفته في الفعالية والشرعية على المدى المتوسط والطويل.الصرايرة يكتب: نحو بناء الثقة العامة كبنية تحتية استراتيجية في السياق الحكومي الأردني
الدكتور بشار الصرايرة
الصرايرة يكتب: نحو بناء الثقة العامة كبنية تحتية استراتيجية في السياق الحكومي الأردني
مدار الساعة ـ