أصدر ديوان المحاسبة قبل أيام تقريره السنوي لعام 2024، كاشفًا كعادته عن طيف واسع من المخالفات المالية والإدارية، لتبدأ على أثره حالة التفاعل المجتمعي الموسمية التي تتخذ شكل نقاشات حامية على منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، المتسارعة في إبراز حجم التجاوزات داخل مؤسسات الدولة ودوائرها الرسمية، قبل أن يخبو الاهتمام العام تدريجيًا وتدخل القضية مرة أخرى مرحلة النسيان. وما إن تمضي الأشهر، حتى تتكرر القصة في العام الذي يليه بتقرير جديد وأوجه خلل متشابهة، وردود فعل آنية لا تُفضي غالبًا إلى تغيير جوهري في التعامل مع الاعتداءات على المال العام أو في منظومة المساءلة الوطنية. وهو مشهد يعيد طرح السؤال السنوي ذاته حول ما بعد صدوره، لا حول مضمونه.
يُعد ديوان المحاسبة إحدى المؤسسات الوطنية التي نصّ الدستور على إنشائها وتنظيم عملها، فأُنيط به مراقبة إيرادات الدولة ونفقاتها وطرق صرفها، وتقديم تقارير عامة إلى مجلسي الأعيان والنواب تتضمن ملاحظاته بشأن أوجه الخلل والمسؤوليات المترتبة عليها. ويضطلع الديوان بهذا الدور من خلال الرصد والتوثيق والتدقيق، فتقف وظيفته قانونًا عند حدود الكشف وتحديد المسؤولية، بينما يفترض أن تتولى منظومة المتابعة الحكومية والرقابة البرلمانية مراحل التنفيذ والجزاء. وبناءً عليه، فإن محدودية الأثر لا تعكس خللًا في عمل الديوان، بقدر ما تكشف ضعفًا في مرحلة التعامل مع تقاريره السنوية.ويزداد اتساع هذه الفجوة عندما تختزل الجهات الخاضعة للرقابة تفاعلها مع ملاحظات الديوان في الردود الشكلية، إذ تلزم المادة (16) من قانون ديوان المحاسبة هذه الجهات بالإجابة على استيضاحات الديوان خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يومًا، غير أن هذا الإلزام، على أهميته، يظل متعلقًا بالرد لا بإغلاق الملاحظة. فالفرق جوهري بين إرسال جواب وبين إنجاز تصويب فعلي، الأمر الذي قد يحوّل الرد في بعض الحالات إلى ممارسة دفاعية قائمة على التبرير وتبادل المكاتبات، لا على معالجة الخلل واسترداد المال العام، فتتكرر الوقائع لأن المسار الإصلاحي يتوقف عند الرد ولا يكتمل إلى المعالجة.إن تكرار أوجه الخلل سنويًا يمكن قراءته من زاويتين متلازمتين؛ فهو من جهة مؤشر إيجابي لصالح ديوان المحاسبة لعدم تراجعه عن بيان الاختلالات، ومن جهة أخرى مؤشر خطير على ضعف المتابعة اللاحقة للتقرير. فلو وُجدت آلية ملزمة لإغلاق الملاحظات التي يبديها الديوان، وخطط تصويب واضحة بمؤشرات قياس، وتقارير متابعة حقيقية خلال العام، لما استقرت هذه الملاحظات في صورة نمط مؤسسي مستمر. إذ يكشف هذا التكرار أن الملاحظة تُناقش ولا تُغلق، وتُسجّل ولا تُحاسب، وتُدار إداريًا بدلًا من أن تُعالج قانونيًا.وقد حرصت الدولة الأردنية في مسار التحديث السياسي على توفير ضمانات إضافية لديوان المحاسبة، فجاءت التعديلات الدستورية لعام 2022 بحكم مستحدث في المادة (119) يتمثل بضرورة أن يقوم مجلسا الأعيان والنواب بمناقشة تقرير ديوان المحاسبة خلال الدورة البرلمانية التي يُقدَّم فيها أو الدورة العادية التي تليها على أقل تقدير. فغاية المشرع الدستوري من هذا القيد الزمني لم تكن تنظيمية بحتة، وإنما منع تكديس تقارير الديوان في الأدراج، والتأكيد على أن مناقشتها تمثل الخطوة الأولى في مسار رقابي متكامل يُفترض أن تتبعها إجراءات حكومية تصويبية، قد يصل مداها عند اللزوم إلى تحريك المساءلة القضائية بحق من يثبت تورطه في الاعتداء على المال العام.غير أن الممارسة الرقابية للسلطة التشريعية على تقارير الديوان لا تزال، في كثير من الأحيان، أسيرة الأسلوب التقليدي، إذ تتعالى الأصوات النيابية المستنكرة لمضمون التقرير عند صدوره، دون أن يرافق ذلك مسار متابعة منهجي يترجم النقاش إلى نتائج ملموسة، أو يحوّل هذا السخط البرلماني إلى أدوات رقابة دستورية فاعلة على السلطة التنفيذية. وفي المقابل، تتقدم الحكومة أحيانًا على السلطة التشريعية في مجال المعالجة، فتُشكّل لجانًا وزارية مختصة تجتمع وتصدر توصيات بشأن المخالفات ذات الصلة، غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل متفرقة ما لم تُبنَ على إطار ملزم واضح، وما لم تُقاس بنتائج إغلاق الملاحظات لا بمجرد انعقاد الاجتماعات.من هنا تبرز الحاجة إلى هندسة قانونية وإجرائية لمرحلة ما بعد إصدار التقرير السنوي، تبدأ بإلزام الجهات الخاضعة للرقابة بوضع خطط تصويب مكتوبة ضمن مدد زمنية محددة، تتضمن الإجراء والمسؤول والجدول الزمني ومؤشرات القياس، على أن تُعد الملاحظة غير مغلقة ما لم يُثبت تنفيذ التصويب فعليًا. ويكتمل هذا المسار بربط تكرار الملاحظة ذاتها بمسؤولية شخصية واضحة لمدير المؤسسة أو الدائرة المعنية، بحيث يصبح ذلك معيارًا فعليًا لتقييم أدائه ومدى استمراره في الموقع الوظيفي.خلاصة القول إن ديوان المحاسبة يؤدي دوره في الرصد والكشف بكفاءة قانونية ومهنية عالية، وأن الخلل لا يكمن في التقرير ذاته بل في المنظومة التي تتلقى مخرجاته وتتعامل معها. فتجويد هذه المنظومة يبدأ من تحويل المناقشة إلى متابعة، والرد إلى إغلاق، والملاحظة إلى تصويب ومساءلة، بحيث يصبح التقرير أداة إصلاح حقيقية لا مناسبة سنوية تتكرر فيها الوقائع وتتبدل فيها الأرقام والعناوين.ديوان المحاسبة المخالفات والجزاء
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
ديوان المحاسبة المخالفات والجزاء
أ. د. ليث كمال نصراوين
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
أستاذ القانون الدستوري – عميد كلية الحقوق في جامعة الزيتونة
مدار الساعة (الرأي الأردنية) ـ