ليس الوقوفُ على الأطلالِ بكاءً على حجارةٍ صمّاء، أو رثاءً لرسومٍ مَحَتْها الرياح، بل هو ارتماءٌ في حضنِ الحقيقة التي هجرناها، واستنطاقٌ لزمنٍ كان فيه للروحِ صوتٌ، وللكلمةِ رائحة، وللحياةِ طعمٌ يُستساغ. لا يبدأ الوقوف على الأطلال من تضاريس الأرض، بل يبدأ من تضاريس الذاكرة، فحين نقف اليوم أمام بقايا بيوتنا القديمة، أو حتى أمام ذكرياتنا الممعنة في البساطة، لا نرى حطامًا أو رفاتًا، بل نرى مرايا تعكس ما فقدناه في غمرة هذا الصخب الحديث، ونبصر ملامح أرواحنا التي تاهت في زحام المادة. كان الماضي قصيدةً مكتوبةً بخط اليد، بمدادٍ من صدقٍ يسيل من سويداء القلب، أما اليوم فقد تحولت حياتنا إلى نصوصٍ رقميةٍ باردة، تفتقر إلى حرارة اللقاء وعمق الأثر، وصارت أيامنا تمر كشريطٍ سريعٍ باهت الألوان لا يترك في النفس ندبةً أو زهرة. إننا حين نستحضر ذلك الزمن، فإننا نستحضر سطوة المعنى على المبنى، حيث كان للكلمة جلالها، وللغة ثمارها التي تتدلى نضجًا في مجالس الأدب والسمر، فالبلاغة لم تكن ترفًا لغويًا، بل كانت سلوكًا، وكان الجمال صورةً فطرية تنعكس في نقاء السرائر قبل أن ترتسم على الوجوه.
لقد كانت الحياة القديمة تُنسج بخيوط الصبر والرضا، فكانت الصور فيها حيةً تنبض بالروح، فرائحة الخبز في الصباح لم تكن مجرد غذاء، بل كانت ترنيمةً للأمان، وصوت الجار وهو يلقي السلام كان عقدًا اجتماعيًا غير مكتوبٍ بالوفاء، حيث كانت البيوت، على ضيق ممراتها، تتسع للكون بأسره، لأن سقفها كان القناعة، وجدرانها كانت تُبنى من ترابطٍ حقيقي لا يعرف الزيف. أما اليوم فقد انفرط عقد ذلك الجمال الفطري في مدافن التكنولوجيا، واستُبدلت حميمية البيوت بجدرانٍ من زجاجٍ تستر الوحدة وتفضح الاغتراب. لقد تشوهت ملامح المجتمع تحت وطأة الاستعراض، فأصبحنا نعيش لنُرى لا لنكون، وصرنا نبحث عن الإعجاب في عيون الغرباء الافتراضيين، بينما نجهل ملامح الحزن أو الفرح في عيون أقرب الناس إلينا. غابت تلك الصور التي كانت تفيض شجنًا وعمقًا، وحلّت محلها صورٌ مفلترة تخفي وراءها خواءً روحيًا مرعبًا، حيث باتت القيمة تُقاس بما تملكه اليد لا بما يكتنزه القلب، وتحول المجتمع من جسدٍ واحد إلى جزرٍ معزولة يربطها سلكٌ من زجاج ويفصل بينها جدارٌ من جليد.ويمتد هذا الشحّ الروحي ليطال مفاصل الحياة العامة، حتى لتبدو السياسة اليوم أطلالًا مهجورة من المبادئ والفروسية التي عهدناها في حكايات التاريخ الكبرى. لقد غاب رجل الدولة الذي كان يتحدث بلغة الحكمة والتروي، وبلاغة الموقف التي تنم عن غيرةٍ صادقة على المصير، وحلّ محله السياسي المستعرض الذي يقتات على ضجيج المنصات وزيف الشعارات. إن اللغة السياسية المعاصرة فقدت بلاغتها لأنها فقدت صدقها، فأصبحت عبارة عن أقنعة لغوية تتبدل بتبدل المصالح، وتفتقر إلى ذلك النفس الذي كان يبعث الطمأنينة في القلوب. لم تعد القيادة أمانةً ثقيلة تُحمل بصمت العظماء، بل صارت ضجيجًا يملأ الفراغ، ومظاهر خاوية من الجوهر، تُبنى على بهرجة الصورة لا على عمق الأثر في حياة الناس، حيث تُذبح الحقيقة على مقصلة المصالح العابرة، وتُغلّف الخديعة بأبهى حلل الادعاء.إننا اليوم، ونحن نخطو فوق رفات ذلك الجمال القديم، نشعر باليتم الحضاري، فالمجتمع الذي كان يُبنى على التكافل العفوي صار يتخبط في فرديةٍ مقيتة، والحياة التي كانت تزهو بصورها الحقيقية صارت باهتة خلف بريق الشاشات. إن الوقوف على الأطلال صرخة الروح في وجه هذا التصحر المشاعري، وفعل مقاومة ضد محو الذاكرة، ومحاولة لاستعادة عطر لغة كانت تجعل من الحجر نطقًا ومن الصمت شعرًا، ومن هنا تنبع الحاجة الملحّة إلى دعوة صادقة للحفاظ على المواريث التي كادت تُنسى، لا بوصفها حنينًا عاطفيًا أو ترفًا ثقافيًا، بل باعتبارها ضرورة أخلاقية تحفظ توازن الروح وملامح الهوية، فهذه المواريث بما تختزنه من قيم التكافل، وصدق العلاقات، ونبل اللغة، وجمال البساطة، هي الذاكرة الحية التي تمنعنا من التحول إلى كائنات بلا جذور، ومعركة الذاكرة ضد النسيان، والجوهر ضد الزيف، والإنسان ضد تحوّله إلى صورة عابرة، فإما أن نصون ما ورثناه من قيمٍ ومعانٍ ولغةٍ وسلوك ونحمله بوعي إلى من بعدنا، أو نتركه يتآكل بصمت حتى نصبح غرباء في أوطاننا، وأبناء بلا تاريخ، وأطلالًا لا تجد من يقف عندها يومًا.الحنيطي تكتب: وقفة على الأطلال
مدار الساعة ـ