أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الفرجات يكتب: كيف يستفيد البحر الميت من كميات المياه التي تدفقت إليه؟


أ.د محمد الفرجات

الفرجات يكتب: كيف يستفيد البحر الميت من كميات المياه التي تدفقت إليه؟

مدار الساعة ـ
قراءة علمية هيدرولوجية – كيميائية – اقتصادية

عاد البحر الميت، مع نهاية 2025، إلى واجهة النقاش العلمي والإعلامي بعد تدفّق استثنائي قُدّر بنحو 250 مليون متر مكعب من مياه السيول القادمة من الأودية الشرقية.

هذا الحدث المناخي–الهيدرولوجي اللافت أعاد طرح السؤال المركزي: هل يمكن لمثل هذه الكميات أن تُحدِث تغييرًا حقيقيًا في مسار تدهور البحر الميت، أم أنها مجرّد استراحة قصيرة في مسار هبوط طويل الأمد؟

للإجابة، لا بد من قراءة هذا الحدث ضمن ثلاثة أطر متكاملة:

الهيدرولوجيا، كيمياء مياه البحر الميت، وتأثير ذلك على الصناعات الاستخراجية، خصوصًا البوتاس.

أولًا: البعد الهيدرولوجي – بين الرقم الكبير والأثر النسبي

لا شك أن 250 مليون متر مكعب رقم ضخم في سياق الأودية الموسمية، لكنه يصبح نسبيًا عند مقارنته بالفواقد السنوية للبحر الميت الناتجة عن التبخر العالي جدًا، وبالانخفاض التراكمي لمنسوب البحر الميت على مدى عقود والذي تجاوز عشرات الأمتار.

من الناحية العلمية، قد تؤدي هذه الكمية إلى ارتفاع مؤقت في المنسوب أو على الأقل إبطاء الهبوط خلال فترة قصيرة، لكنها لا تمثل تغذية مستدامة ولا تُغيّر الميزان المائي السنوي للبحر الميت.

ويبقى التأثير حدثيًا وموسميًا، لا بنيويًا.

ثانيًا: كيمياء مياه البحر الميت – التأثير الأكثر حساسية

تمثل كيمياء المياه إحدى أهم الزوايا العلمية في تقييم هذا الحدث.

فمياه السيول القادمة من الأودية الشرقية هي مياه عذبة إلى قليلة الملوحة، تحمل كميات متفاوتة من الطمي والكربونات والكبريتات وبعض المغذيات الذائبة،

وهي تختلف جذريًا عن مياه البحر الميت فائقة الملوحة.

عند اختلاط هذه المياه مع مياه البحر الميت، يحدث تخفيف موضعي ومؤقت للملوحة السطحية، خصوصًا قرب مصبات الأودية، مع تغيرات محدودة في نسب الأيونات الرئيسية مثل المغنيسيوم، الصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم والكلوريد.

كما قد تحدث عمليات ترسيب أو إعادة إذابة لبعض الأملاح وفق درجة الخلط ودرجة الحرارة.

إلا أن هذه التغيرات تبقى محدودة مكانيًا وزمنيًا، ولا تغيّر البنية الكيميائية العامة للبحر الميت، والتي يحكمها حجم الكتلة المائية الكبير ومعدلات التبخر العالية المستمرة.

أما من حيث الحفر الانهدامية، فالأمر ذات بعدين،:

(أ): فقد يسهم هذا التغير المؤقت في كيمياء المياه في إبطاء إذابة الطبقات الملحية القريبة من السطح وتأخير تشكّل بعض الحفر لفترة قصيرة، دون أن يعالج السبب الجذري المرتبط بهبوط المنسوب على المدى الطويل... وهذا إن أخذنا أثر المياه المتدفقة في دفع المياه المالحة للشاطيء، وضمن علاقة الإتزان الهايدروديناميكي بين المياه الجوفية العذبة، ومياه البحر الميت المالحة، وكل ذلك تحت سطحيا.

(ب): دخول مياه السيول العذبة وقبل أن تصل البحر، للصخور الملحية عبر الرشح والتغلغل بالشقوق لطبقات الصخور العميقة،،، فتزداد الإذابة، وتتشكل مزيد من الحفر الخسفية الخطيرة.

ثالثًا: الأثر على الصناعات الاستخراجية – البوتاس نموذجًا

تعتمد الصناعات الاستخراجية في البحر الميت، وعلى رأسها صناعة البوتاس، على التركيب الكيميائي الدقيق للمياه، وعلى التبخر الشمسي والتركيز التدريجي للأيونات، مع افتراض درجة من الاستقرار النسبي في الخصائص الكيميائية.

دخول هذه الكمية من المياه قد يترك أثرًا محدودًا ومؤقتًا على الصناعة. فمن ناحية إيجابية، قد يؤدي الارتفاع النسبي في حجم المياه إلى تحسين إدارة البرك الصناعية مؤقتًا وتأخير بعض الإجراءات التشغيلية المرتبطة بتراجع المنسوب.

ومن ناحية أخرى، قد تؤدي التغيرات المؤقتة في نسب الأيونات أو زيادة الطمي إلى تعديلات تشغيلية محدودة أو زيادة طفيفة في أعمال الصيانة والمعالجة.

مع ذلك، لا تشكل هذه الكميات تهديدًا استراتيجيًا لصناعة البوتاس، ولا تمثل في الوقت ذاته حلًا طويل الأمد لها.

التحدي الحقيقي أمام هذه الصناعات يبقى مرتبطًا باستمرار هبوط منسوب البحر الميت، وتقلص المساحات القابلة للتبخير، وارتفاع كلفة الاستخراج مستقبلاً.

رابعًا: قراءة علمية متوازنة:

من غير الدقيق علميًا تصوير ما حدث على أنه إنقاذ للبحر الميت، كما أن التقليل من أهميته خطأ في الاتجاه المعاكس.

نحن أمام حدث مناخي استثنائي مهم للدراسة والتحليل، يؤكد هشاشة النظام المائي أكثر مما يشير إلى تعافيه، ويبرز الحاجة إلى إدارة السيول كمورد مائي محتمل ضمن رؤية استراتيجية شاملة، لا كظاهرة عابرة.

إن تدفّق نحو 250 مليون متر مكعب من مياه الأودية الشرقية إلى البحر الميت أحدث أثرًا هيدرولوجيًا وكيميائيًا مؤقتًا، وغيّر بعض المعطيات بشكل جزئي وقصير الأمد، لكنه لم يغيّر المسار البنيوي للأزمة التي تعاني منها أخفض بقعة على سطح الأرض.

يبقى الحل الحقيقي استراتيجيًا، طويل الأمد، ومتعدد المصادر، يأخذ بعين الاعتبار الهيدرولوجيا، وكيمياء المياه، والجيولوجيا، والاقتصاد، بعيدًا عن التعويل على مواسم مطر استثنائية في مناخ يتجه نحو مزيد من التطرف وعدم اليقين...

مدار الساعة ـ