في عالمٍ يتغنّى بالقانون الدولي ويُقسِم بسيادة الدول، تظلّ القوة هي الحكم الأخير حين تتعارض المبادئ مع المصالح. ومن هذا المنطلق، يثير سيناريو إقدام قوة أمريكية خاصة على القبض على رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته أسئلة جوهرية تتجاوز شخص مادورو، لتضرب في عمق النظام الدولي ذاته: هل ما زالت السيادة قائمة؟ أم أنّ العالم عاد إلى شريعة الغاب بلباس قانوني؟
ان العملية كتحوّل في سلوك القوة العظمى تُنفَّذ داخل دولة ذات سيادة دون تفويض أممي تُعدّ، في ميزان العلاقات الدولية، عدواناً صريحاً مهما كانت المبررات. فالقبض على رئيس دولة بالقوة لا يُصنَّف كإجراء أمني، بل كفعل سياسي يهدف إلى إسقاط نظام بالقوة، وهو ما يتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ عدم التدخل.الولايات المتحدة، ، لا تتحرك كدولة قانون، بل كقوة ترى نفسها فوق القانون، وتمنح ذاتها حق الادّعاء والحكم والتنفيذ في آنٍ واحد.ردّة فعل المجتمع الدولي لن تكون موحّدة، بل محكومة بخريطة الاصطفافات:روسيا والصين ستريان في العملية تهديداً مباشراً لهما، وسابقة قد تُستخدم مستقبلاً ضد حلفائهما، وستصفانها بانتهاك فجّ للسيادة.الاتحاد الأوروبي سيقف في المنطقة الرمادية: رفض شكلي للعملية، مع تحميل مادورو مسؤولية سياسية وأخلاقية عن الأزمة.الأمم المتحدة ستتحوّل إلى ساحة بيانات و«فيتوهات»، ما يعكس عجز النظام الدولي عن فرض القانون على الأقوياء.وهنا تتجلّى الحقيقة المرة: القانون الدولي يُطبّق على الضعفاء فقط.داخلياً، سينقسم الشارع الفنزويلي انقساماً حادفالمعارضة ستعتبر الحدث خلاصاً من نظام أنهك البلاد.في المقابل، سيراه أنصار مادورو اختطافاً وطنياً واعتداءً على الكرامة والسيادة.هذا الانقسام قد يفتح الباب أمام الفوضى، أو حتى حرب أهلية، في ظلّ فراغ دستوري وتدخلات خارجية متسارعة. قانونياً، لا تملك الولايات المتحدة غطاءً صلباً لمثل هذه العملية، لغياب:تفويض دوليأو حكم قضائي دولي نافذوأي تبرير تحت عناوين «مكافحة المخدرات» أو «التهديد للأمن القومي» لا يصمد أمام قواعد القانون الدولي العام. بل إنّ العملية، ستُسجَّل كسابقة تُشرعن اختطاف الرؤساء وتُسقط فكرة الحصانة السيادية. الخطر الحقيقي لا يكمن في مصير مادورو، بل في ما بعد مادورو. فإذا أصبحت إسقاط الأنظمة يتم عبر قوات خاصة لا عبر الشعوب أو المؤسسات الدولية، فإن العالم يتجه نحو:تفكك مفهوم الدولةسباق تسلّحتعزيز منطق التحالفات العسكرية بدل الدبلوماسيةإنها لحظة كاشفة: إمّا أن يُعاد الاعتبار للقانون الدولي، أو يُعلن موته رسمياً.هذا السيناريو، ، قد يمنح واشنطن نصراً تكتيكياً، لكنه يكلّفها خسارة استراتيجية كبرى بسقوط الخطاب الأخلاقي . أما فنزويلا، فلن تدخل بالضرورة عصر الديمقراطية، بل قد تنزلق إلى فوضى تُدار من الخارج.في السياسة الدولية، لا يكفي أن تُسقط خصمك، بل أن تعرف ماذا سيقوم على أنقاضه. والتاريخ علّمنا أن ما يُفرض بالقوة، لا يعيش بالشرعية.العدوان يكتب: القبض على مادورو.. بين منطق القوة وسقوط الشرعية الدولية
مدار الساعة ـ