استدعاني أحد الحكّام الإداريين قديمًا.
لم يكن لقاءً، بل استعراض عضلات لكرسيٍ مصاب بداء الألوهية.رجلٌ نرجسي، يؤمن يقينًا أن المنصب طهارة، وأنه منزه عن الخطأ كما تُنزَّه النصوص المقدسة.اصطدمنا بالحديث، فلم يحتمل فكرة أن يُخاطَب كإنسان.قالها ببرود جلاد اعتاد أن يُلوّح لا أن يُقنع:"بوقفك"وكان يقصد توقيفًا إداريًا، أي سجنًا بلا ذنب، وقهرًا بلا محاكمة، وقرارًا يولد ميتًا لكنه نافذ.ضحكت.ضحكتي لم تكن استهزاءً به، بل بالكرسي الذي يتكلم من فمه.استشاط غضبًا وسألني: لماذا تضحك؟فقلت له، دون مواربة:"مش إنت اللي بتوقفني… الكرسي اللي إنت قاعد عليه".تلك الجملة كانت كافية لفضح العري.تدخل أحد مسؤولي الأجهزة الأمنية في تلك الحقبة، لا لينقذه، بل لينقذ المشهد من جنون سلطة فقدت وزنها.مرت السنوات. تقاعد الرجل.. فتقاعد اسمه معه، وسقط كرسيه كقشرة يابسة في مهب الريح.أول أمس، كنت في مناسبة عامة، رأيته.يجلس على الكرسي المقابل لي. جسد حاضر وهيبة غائبة،رجلٌ مهزوم رغم أن حسابه البنكي ممتلئ.فالمال لا يشتري الهيبة، ولا يعوّض سقوط المعنى.لا أحد يلتفت. لا سلام. لا مجامله. لا حتى نظره عابرةكأن المكان يرفضه بصمت. كان يجلس بجانبي مسؤول حالي؛ فقلت له بصوتٍ منخفض لكنه قاطع:"شايف هذاك اللي قاعد مقابلنا؟ هذاك فلان الفلاني… كانياما هون ياما هناك، شوف ولا حدى منتبه لوجوده أصلًا."لم أكن أُشهّر برجل، بل كنت أقوم بمحاكمة الكرسي.الكرسي الذي لا يصنع رجالًا،بل يكشفهم. يرفع الأصوات الفارغه. ويمنح الجبناء شراسه مؤقته. وحين يسحب الكرسي لا يبقى إلا الإنسان…فإما أن يكون شيئاً يحترم، أوفراغاً لا يلتفت إليه.هذه ليست قصة شخص، هذه سيرة السلطه حين تخطئ وسيرة الكرسي حين يفضح من ظنّ نفسه خالدًا.حاكم إداري.. قال لي: بوقفك.. وهذا ما حدث له
مدار الساعة ـ
الكرسي.. حين يسقط