أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات وفيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

العدوان يكتب: ارض الصومال والحزام والطريق


الدكتور علي فواز العدوان

العدوان يكتب: ارض الصومال والحزام والطريق

مدار الساعة ـ

يشهد القرن الإفريقي، وبالأخص منطقة الصومال، تحولات جيوسياسية كبيرة تعكس واقعًا جديدًا في صراع القوى الإقليمية والدولية. في هذا السياق، تأتي الهيمنة الإسرائيلية على الأرض الصومالية كأداة جديدة تسعى لتغيير المعادلات السياسية في المنطقة، وتسهم في تفعيل مشروع حيوي يتقاطع مع أطماع عالمية ومحلية تهدف إلى السيطرة على مفاصل القرن الأفريقي. تتجسد هذه الهيمنة في الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة، إضافة إلى تأمين ممر إي إم إيه سي (EIMC) الذي يمر عبر هذا الإقليم إلى باقي الدول الساحلية للقرن الأفريقي. هذه الخطوة لا تعد مجرد تحركات دبلوماسية، بل هي في عمقها جزء من استراتيجية كبرى تهدف إلى تحويل المنطقة إلى نقطة مفصلية في صراع القوى بين الشرق الأوسط وآسيا، كما تكمن هذه الاستراتيجية في محاولة إعاقة مشروع "الحزام والطريق" الذي تقوده الصين.

أولاً: الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: أداة للهيمنة

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال كدولة مستقلة يعد خطوة سياسية مثيرة للجدل، ولكنها ذات دلالة عميقة. لا يمكن أن يمر هذا الاعتراف دون أن يحمل بين طياته أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى تتجاوز الأبعاد الدبلوماسية البسيطة. فإسرائيل تسعى إلى إقامة قواعد أمنية ونفوذ اقتصادي في منطقة استراتيجية تشهد تقاطع مصالح دولية عديدة، خاصة في ظل موقعها الجغرافي الذي يجعلها همزة وصل بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

إضافة إلى ذلك، فإن دعم إسرائيل لإقليم أرض الصومال يمكن أن يكون مدفوعًا بأسباب سياسية وأمنية تتعلق بمقاومة التوسع الإيراني في المنطقة، وكذلك التنافس مع القوى الأخرى مثل تركيا وقطر، اللتين تسعيان بدورهما إلى تعزيز نفوذهما في القرن الأفريقي. في هذا السياق، يعتبر الاعتراف الإسرائيلي بمثابة تحرك نحو تصعيد الهيمنة الإسرائيلية في هذه المنطقة الإستراتيجية، التي تمثل بوابة الدخول إلى بحر العرب والمحيط الهندي.

ثانيًا: ممر إي إم إيه سي (EIMC) وتأمينه كجزء من المشروع الإسرائيلي

تأمين ممر إي إم إيه سي (EIMC) عبر إقليم أرض الصومال يعد أحد الأهداف الحيوية بالنسبة لإسرائيل. فهذا الممر يمثل شريانًا حيويًا في النقل التجاري البحري الذي يربط بين الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأحمر والمحيط الهندي. يشكل هذا الممر، في سياق العلاقات الدولية، نقطة انطلاق للقوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، روسيا، والصين. ومن خلال السيطرة على هذا الممر، يمكن لإسرائيل أن تضمن حضورًا قويًا في السوق العالمية لنقل السلع، فضلاً عن التحكم في حركة السفن التجارية العسكرية، مما يعزز من قدرتها على التأثير في تحركات القوى الكبرى.

ومن خلال تأمين هذا الممر، تسعى إسرائيل إلى مواجهة تهديدات مثل مشروع الحزام والطريق الصيني، الذي يعد منافسًا استراتيجيًا للمصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. فمن خلال تعزيز وجودها في منطقة القرن الأفريقي، تزداد قدرة إسرائيل على مقاومة النفوذ الصيني الذي يمتد عبر طريق البحر الأحمر ومناطق أخرى في أفريقيا.

ثالثًا: الشعوب العربية والشرق أوسطية في دائرة الهيمنة: سياسة الإلهاء والتشتيت

من المثير للاهتمام أن هذا المشروع ليس مقتصرًا على القوى العظمى أو القوى الإقليمية في القرن الأفريقي فقط، بل يمتد إلى مسعى لتشتيت انتباه الدول العربية والشرق أوسطية، وإشغالها بأيديولوجيات تهميشية تدفعها بعيدًا عن التركيز على مصالحها الإستراتيجية الحقيقية. تشهد المنطقة العربية حالة من التشرذم الداخلي الذي يستنزف طاقاتها ويركز الجهود نحو مواجهة قضايا داخلية بدلاً من التحرك في مشروعات إقليمية كبرى.

من خلال تصعيد النزاعات الإقليمية، وتغذية بعض الحركات المتطرفة، وتقديم الدعم السياسي والعسكري لبعض الأنظمة المستبدة في المنطقة، تساهم بعض القوى الخارجية في إضعاف العلاقات بين الدول العربية وتقويض مشاريع التكامل الاقتصادي والسياسي. وفي هذا الإطار، يتم صرف الأنظار عن مشروع القرن الأفريقي، الذي يعد نقطة تحول استراتيجية في خريطة القوة العالمية. وعليه، فإن الهيمنة على المنطقة تستفيد من استمرار التوترات الداخلية في العالم العربي، مما يتيح للجهات الفاعلة الإقليمية والدولية فرض مشاريعها الاقتصادية والسياسية.

رابعًا: مقاومة مشروع الحزام والطريق: حسابات السيطرة الصينية والإسرائيلية

يشكل "الحزام والطريق" الصيني المنافس الرئيسي للهيمنة الغربية والإسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي. الصين، التي تسعى لفتح طرق بحرية وتجارية جديدة، قد تجد في هذا الممر ساحة تنافسية كبيرة. وقد بدأت الصين فعلاً في بناء مشاريع بنية تحتية ضخمة في بعض دول القرن الأفريقي، مثل جيبوتي وإثيوبيا، مما يزيد من الضغط على القوى الغربية.

من هنا، يأتي التحرك الإسرائيلي، الذي يسعى إلى مقاومة هذا المشروع من خلال بناء علاقات استراتيجية مع القوى المحلية في القرن الأفريقي وتعزيز وجودها العسكري والاقتصادي. كذلك، تسعى إسرائيل إلى خلق توازن بين مصالحها الأمنية والاقتصادية في المنطقة وبين محاولاتها لاحتواء المد الصيني، بحيث تكون لها الكلمة العليا في مفاوضات استثمارية تتعلق بالممرات البحرية.

خامسًا: الخاتمة: الهيمنة الإسرائيلية في القرن الأفريقي

إن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال وتأمين ممر إي إم إيه سي، إضافة إلى سعيها للهيمنة على مفاصل القرن الأفريقي، يعكس استراتيجية شاملة لا تقتصر على المصالح الاقتصادية والأمنية، بل تتجاوزها إلى مواجهة المشاريع الجيوسياسية الكبرى مثل "الحزام والطريق". إن نجاح هذا المشروع يتطلب استثمارًا طويل الأمد في تفاعلات سياسية مع القوى المحلية والدولية، في محاولة لبناء شبكة من النفوذ المستدام في منطقة غنية بالموارد، وذات أهمية حيوية في الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، يبقى السؤال حول قدرة الدول العربية والشرق أوسطية على مواجهة هذه التحولات والهيمنة المستمرة على مفاصل القرن الأفريقي. إن وحدة الصف العربي والتعاون بين الدول المعنية بالمنطقة قد يكون الحل الوحيد لمقاومة مشاريع الهيمنة الخارجية، وتوجيهها نحو بناء استراتيجية إقليمية تحافظ على مصالح شعوب المنطقة.

مدار الساعة ـ