أخطر ما يواجه الأوطان ليس العدوّ الذي يأتي من الخارج، بل ذلك الذي يتسلّل من الداخل، متدثّرًا بخطاب ديني مُسيَّس، يُقدَّم للناس على أنه غيرة وورع، بينما هو في جوهره هدمٌ بطيء للثقة والمعنى، وتقويضٌ صامت لأسس الاجتماع الوطني.
نسمي هذا النمط توصيفًا لا شتيمة بالفئران الملتحية؛ لا لأن المشكلة في اللحية أو التديّن، بل لأن أصحابه لا يعملون في الضوء، ولا يواجهون المجتمع بعقل أو مشروع، بل يقضمون الثقة، ويحفرون في الأساسات، ثم يدّعون احتكار الحقيقة باسم العقيدة، ويصادرون حق الناس في السؤال والاختلاف.المشكلة ليست في الدين ولا في مظاهره، بل في تديّنٍ بلا فقه، وفي جرأة على التكفير والتحريم بغير علم ولا ميزان، حتى يتحوّل الدين من قيمة جامعة تحفظ المجتمع إلى أداة انقسام وصدام تُجزّئ الناس، وتُخاصم الدولة، وتحوّل الخلاف الطبيعي إلى خصومة وجودية.والتاريخ يعرف هذا النمط جيدًا، ويشهد أن الانحراف حين يقترن بالقداسة يكون أشدّ فتكًا بالأمم من السلاح. فقد ظهر مبكرًا مع الخوارج حين تحوّل الشعار الديني من قيمة أخلاقية إلى أداة مواجهة مع المجتمع، وتكرّر مع القرامطة حين انتهت العدالة المزعومة إلى الاعتداء على الكعبة المشرفة وسرقة الحجر الأسود، في لحظة كشفت كيف ينتهي تسييس الدين إلى تدنيسه.وتجسّد هذا المسار مع الحشّاشين حين أُلغي العقل، واستُبدل به منطق الطاعة العمياء، فصار الإنسان أداة تنفيذ لا صاحب رأي، وصار النص سياجًا يمنع السؤال بدل أن يكون أفقًا للهداية.وفي العصر الحديث، لا يمكن فهم العنف المؤدلج بوصفه ظاهرة تخصّ دينًا بعينه. فقد قدّمت التجربة الصهيونية المبكرة نموذجًا واضحًا لتسييس العنف بالدين، حين ظهرت الهاجناه كتنظيم قومي مسلّح غير ديني في بنيته، لكنه استخدم السردية التوراتية والتأويلات التلمودية أداةَ شرعنةٍ للاستيطان والتهجير والقتل، مؤسِّسًا لما يمكن تسميته العنف المقدّس سياسيًا.ولم يتوقّف هذا المسار عند الهاجناه، بل تطوّر وتديَّن لاحقًا مع صعود منظمات يهودية دينية متطرفة جعلت النص الديني قائدًا مباشرًا للعنف لا مجرد غطاء له. فقد برزت حركات استيطانية عقائدية رأت في الاستيطان واجبًا دينيًا يُعجّل بالخلاص، ثم ظهرت تنظيمات أكثر صراحة في تطرفها بلغ خطابها حدّ الدعوة العلنية إلى طرد الفلسطينيين وقتلهم. وترافق ذلك مع صعود مجموعات ميدانية شديدة التطرف مارست اعتداءات مباشرة على الفلسطينيين وممتلكاتهم، مدعومة بثقافة العقاب المقدّس، حيث تحوّل الانتقام الجماعي إلى سلوك ديني مُبرَّر. كما نشطت جماعات تحريض ديني قومي داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، روّجت للكراهية والإقصاء ورفض الآخر، بالتوازي مع شبكات من الحاخامات المتطرفين في المستوطنات الذين أصدروا فتاوى تُجيز القتل وسلب الأرض باسم الواجب الديني. وبهذا، لم يعد العنف مجرّد فعل سياسي، بل تحوّل إلى منظومة عقائدية مكتملة تُلبس الإقصاء ثوب القداسة، وتُعيد إنتاج منطق الاصطفاء والتفوّق بوصفه أمرًا لا يُناقش.وفي السياق ذاته، عاد هذا النمط بأقبح صورة مع داعش، حيث اجتمع الجهل والعنف، وتسويق الدم باسم السماء، وتحويل الدين إلى مشهد رعب عابر للحدود، لا يعترف بوطن ولا بإنسان ولا بعقل.ورغم اختلاف السياقات والمرجعيات، فإن القاسم المشترك بين هذه النماذج هو وحدة العقلية: تقديس العنف، تجريم السؤال، إلغاء الإنسان، وتحويل الدين من قيمة جامعة إلى أداة تعبئة وصدام.غير أن الخطر لا يقتصر على النماذج المسلحة وحدها؛ فالواقع يعرف أيضًا أشكالًا ناعمة من هذا النمط، خطابات تشدّد غير مسلّحة تُقسّم المجتمع، وتُضيّق على الناس باسم الورع، وتُضعف المناعة الفكرية، وتفتح الطريق أمام العنف حين تتغيّر الظروف.الأسماء تختلف، لكن النمط واحد. نمط لا يرى في الوطن بيتًا جامعًا، بل عائقًا يجب تجاوزه، ولا يرى في الدولة إطارًا يحمي الجميع، بل خصمًا يجب إضعافه. يبدأ خطابه بالنص، وينتهي بالفتنة، ويزعم الدفاع عن الدين، بينما يُفرغه في الواقع من معناه الأخلاقي والإنساني.الدين بريء من هذه الممارسات، والنصوص بريئة من هذا التأويل، والتديّن الحق لا يكون ضدّ الإنسان، ولا ضدّ المجتمع، ولا ضدّ الدولة، بل سندًا لها جميعًا.والخطر الحقيقي ليس في وجود هذا الفكر فحسب، بل في الصمت عنه. فالدين الذي لا يحفظ وحدة الناس، ولا يصون أوطانهم، ولا يحترم عقولهم، ليس رسالة تُنقذ، بل خطابًا يُمزّق.مساعدة يكتب: الفئران الملتحية… داعش والهاجناه نموذجًا
مدار الساعة ـ