أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين أحزاب مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة جاهات واعراس مستثمرون شهادة الموقف مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزعبي تكتب: البحث العلمي ضرورة وطنية وأداة مجتمعية


د. هبه وزير الزعبي

الزعبي تكتب: البحث العلمي ضرورة وطنية وأداة مجتمعية

مدار الساعة ـ
الزعبي تكتب: البحث العلمي ضرورة وطنية

تتجلى قوة البحث العلمي الحقيقية بتوجيه جهوده لتلبية احتياجات المجتمع وحل التحديات الملحّة، فالمعرفة العلمية هي أداة مجتمعية فعّالة ولابد أن ترتبط بالأولويات التنموية المختلفة التي تمس حياة الناس اليومية. لذا ينبغي تحديد أجندة البحث والتطوير وفقًا لأولويات ترتبط بواقع المجتمع وحاجاته.

ومن واقع التخصص أستطيع القول أن البحث في انتشار مرضٍ معين في مجتمع ما، كمرض السكري أو السرطان، فإن الواجب الوطني يفرض علينا أن تكون الأولوية للبحوث الطبية التي تدرس هذه الأمراض وتسهم في ابتكار سبل وقاية وعلاج تراعي الخصوصية السكانية.

وبالمثل، فإن توجيه الدراسات العلمية في مجالات الزراعة نحو تحسين المحاصيل الملائمة للبيئة المحلية، أو في مجال الهندسة لحل مشكلات شحّ المياه والطاقة، يؤدي إلى حلول عملية تعود بالنفع المباشر علينا وعلى مجتمعنا.

لهذا لا بد من تركيز الباحثين على أولويات المجتمع الفعلية بحيث يتحول البحث العلمي من نشاط أكاديمي إلى أداة تنموية تعالج التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

والجدير بالذكر هو ان تطوير البحث العلمي لا يقتصر على المختبرات والجامعات فحسب، بل يتطلب بناء جسور تواصل فعّالة بين الأوساط البحثية والقطاعات الخدمية و الصناعية المختلفة في الدولة. لإنَّ نتائج الأبحاث لن تعود بالأثر المرجو ما لم تجد طريقها إلى التطبيق العملي في الصناعة والطب والزراعة والتعليم وسائر القطاعات و من هنا تبرز ضرورة إنشاء آليات ربط وتعاون بين الباحثين وصنّاع القرار ومقدمي الخدمات؛ كأن تتبنى المستشفيات نتائج الأبحاث الطبية الحديثة، وتقوم المؤسسات الصناعية بإنشاء وحدات بحث وتطوير تتعاون مع الجامعات.

هذا النموذج التشاركي يضمن أن يعمل العلماء جنبًا إلى جنب مع الجهات المستفيدة من نتائج العلم، بحيث يجري توجيه الدراسات نحو حلول قابلة للتنفيذ، وفي المقابل تستفيد القطاعات الخدمية والإنتاجية من أحدث ما توصل إليه العلم. فالتعاون بين الأكاديميا والصناعة في الدول المتقدمة أدى إلى منتجات جديدة وتقنيات وفرت خدمات أرقى للمجتمع، وكما أن التنسيق بين مراكز الأبحاث والقطاع الصحي عجّل في اعتماد طرق علاج وتشخيص أكثر دقة في المستشفيات.

وبناء على ذلك وللانتقال بالبحث العلمي من نطاق النظريات والأوراق إلى أداة مجتمعية فاعلة تُسهم في التنمية وحل المشكلات، فلا بد من تعزيز الشراكة بين المؤسسات البحثية والقطاعات الحكومية والخاصّة وربط أجندة البحث العلمي باحتياجات المجتمع وأولويات التنمية من خلال وضع خطط بحثية وطنية تركّز على التحديات الملحّة محلياً (كالمياه والطاقة والصحة والتعليم وغيرها)، وتوجيه التمويل نحوها.

كما لابد من توفير موارد مالية كافية و مستمرة من خلال زيادة نسبة الإنفاق على البحث والتطوير باعتباره استثماراً في المستقبل و تحفيز القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية على دعم البحوث العلمية من خلال حوافز ضريبية أو اعترافات رسمية. ويمكن أيضا إنشاء صناديق وطنية أو إقليمية لتمويل الأبحاث الموجّهة نحو مشكلات محددة (مثل صندوق لأبحاث الأمراض المتفشية و غيرها). لأن هذا التمويل الموجّه و الذي يرتبط بأهداف تنموية واضحة سيعطي دفعة قوية للبحوث ذات الأثر الاجتماعي، ويشجع الباحثين على اختيار مواضيع بحثية تخدم الصالح العام . كما أن إزالة المعوقات الإدارية وتسهيل تطبيق النتائج من خلال مراجعة النظم الإدارية واللوائح التي تنظم البحث العلمي وتسريع تحويل المخرجات إلى مشاريع على أرض الواقع و تشكيل مجالس علمية استشارية مرتبطة مباشرةً بصنّاع القرار، لضمان أن السياسات والقرارات الحكومية مطّلعة على آخر ما توصل إليه العلم ستغلق الفجوة بين مرحلة إنتاج المعرفة ومرحلة استخدامها. و لابد من الإشارة الى أن تعزيز التواصل العلمي وإيصال نتائج الأبحاث بلغة مبسطة إلى الجمهور ووسائل الإعلام وصنّاع القرار، يرفع الوعي ويزيد الطلب على الحلول العلمية.

ختاما إن البحث العلمي مسؤولية مشتركة ، تستوجب تضافر جهود الجميع لتحويله إلى أولوية وطنية وثقافة مجتمعية راسخة. فالمجتمع بكل مكوناته من مؤسسات القطاع الخاص ورجال الأعمال مرورًا بالمجتمع المدني والأفراد مدعو للمشاركة الفاعلة في دعم البحث العلمي، لضمان أن يبقى البحث العلمي شعلة تضيء طريق المستقبل، وأداة فعالة لبناء وطن قوي ، ومجتمع متقدم يملك زمام أموره المعرفية والتقنية.

مدار الساعة ـ