أخبار الأردن اقتصاديات دوليات وفيات برلمانيات أحزاب مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة شهادة الموقف مناسبات جاهات واعراس مستثمرون جامعات خليجيات مغاربيات دين بنوك وشركات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

محيي الدين المصري… كلمة وفاء في رجلٍ من رجالات الأردن


جهاد مساعدة

محيي الدين المصري… كلمة وفاء في رجلٍ من رجالات الأردن

مدار الساعة ـ

حين نكتب عن الرجال الذين خدموا أوطانهم بصمت، فإننا لا نحرّر مقالًا، بل نؤدّي شهادة، ولا نرصّ كلمات، بل نفي بدَينٍ أخلاقيٍّ لوطنٍ بُني على أكتاف أمثالهم. فالأوطان لا تقوم بالخطب وحدها، ولا تشتدّ بالقرارات فقط، وإنما تُحفظ برجالٍ آمنوا بها فعلًا، وحملوها في الضمير قبل أن يحملوها في المواقع.

ومن أولئك الرجال محيي الدين المصري؛ نذكره اليوم لا لأنّه رحل، بل لأنّ أثره بقي، ولأنّ سيرته تصلح أن تكون درسًا للأجيال في معنى الانتماء الصادق، والعمل الدؤوب، والإيمان العميق بأنّ الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن.

وُلد في النعيمة عام 1935، في زمنٍ لم تكن فيه الحياة ميسورة، ولا الطريق إلى العلم معبّدًا. غير أنّه أدرك مبكرًا أنّ صعوبة البدايات لا تبرّر التراجع، بل تصنع الإرادة. نشأ في بيتٍ بسيط، تحفّه قيم الدين والعلم، فشبّ وهو يعي أنّ الكرامة لا تُقاس بما يملكه الإنسان، بل بما يقدّمه، وبما يتركه من أثرٍ طيّب في الناس والمكان.

اختار العلم طريقًا، والتعليم رسالة، فكان معلّمًا قبل أن يكون مسؤولًا، ومربّيًا قبل أن يكون إداريًا. وحين فُتحت أمامه أبواب المواقع والمناصب، لم تغره الألقاب، ولم تستدرجه الوجاهة؛ إذ ظلّ مؤمنًا بأنّ خدمة الناس هي أرقى صور الخدمة الوطنية. وفي المدارس التي عمل فيها، والمؤسسات التي تولّى مسؤوليتها، ترك بصمته هادئةً عميقة، عنوانها الإخلاص، والانضباط، والعمل المثمر.

وحين خرج ليمثّل الأردن في ميادين الثقافة والعمل العربي المشترك، حمل معه صورة الوطن الذي نريده ونفخر به: وطنٌ منفتح، واثق بهويته، مؤمن بالعلم، وبناء الجسور، لا صناعة الحواجز. أسهم في تعليم الآلاف من الطلبة، وفتح الآفاق لهم، ورسّخ علاقات ثقافية تقوم على الاحترام والتعاون، إيمانًا منه بأنّ وحدة الأمة تُبنى بالمعرفة قبل السياسة، وبالإنسان قبل الشعارات.

كان قوميّ الانتماء، أردنيّ الولاء، ثابتًا على مبادئه، لا يساوم على قناعاته. عاش بسيطًا كما أراد، ومضى كما عاش، تاركًا وراءه سيرة نقيّة، وذكرًا طيّبًا، ومحبة صادقة في قلوب من عرفوه عن قرب، ومن سمعوا به عن بعد.

إننا، ونحن نودّع محيي الدين المصري، لا نرثي رجلًا فحسب، بل نحيّي جيلًا آمن بالأردن، وبالعروبة، وبقيمة الإنسان. ونؤكّد أنّ هذا الوطن سيبقى قويًا ما دام فيه أمثال هؤلاء؛ يعملون بصمت، ويزرعون الأمل، ويؤمنون بأنّ المستقبل لا يُصنع إلا بالصدق، وبالعلم، وبالعمل.

رحم الله محيي الدين المصري، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء، وجعل سيرته نبراسًا يُضيء الطريق، ودليلًا على أنّ الرجال الكبار لا يغيبون؛ لأنّ الأوطان تحفظهم في ذاكرتها، وتورّثهم للأجيال كما تُورَّث القيم النبيلة والمعاني الكبرى.

مدار الساعة ـ