أثار استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني في الفترة الأخيرة على محافظتي حضرموت والمهرة إشكالية كبيرة في الوضع اليمني المستعصي أصلاً بين حكومة شرعية يعترف بها العالم ويرأسها السيد رشاد العليمي وتضم المجلس الانتقالي وبعض الأطراف اليمنية وبين أنصار الله الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء بغير أيّ اعتراف دولي بشرعيتهم.
ومن الجدير بالذكر أنّ الخطاب السياسي الذي يتذرع به المجلس الانتقالي الجنوبي يشير إلى أنه قام بخطوته تلك لمحاربة الإسلام السياسي في المحافظتين المذكورتين آنفاً، ولوقف عمليات التهريب إلى الحوثيين، ولكن من الواضح أن المجلس الانتقالي يمهد لاستكمال سيطرته الفعلية على أراضي ما كان يعرف بدولة جنوب اليمن (1967 – 1990) قبل أن تتوحد مع شمال اليمن، ولكن مع قطيعة هذه المرة حتى مع اسم اليمن حيث أن المطروح الآن هو تسمية الدولة الجديدة باسم "الجنوب العربي"، وقد رفعت شعارات هذه الدولة في عدن (عاصمة الجنوب سابقاً) وأيّدها بقوة السيد عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي عندما زار عدن وشاهد المظاهرات. ولكن هل ولادة هذه الدولة أمر ممكن في ضوء الظروف المحلية، والإقليمية، والدولية؟ إن هناك جملة اعتبارات تجعل ولادة هذه الدولة مسألة عسيرة ولعلّ من أهمها: أولاً: معارضة معظم اليمنيين لإعادة تقسيم اليمن إلى دولتين. صحيح أنّ الأغلبية اليمنية في الجنوب تؤيد عودة الدولة الجنوبية، ولكن لا يُنكر أيضاً أن هناك قوى داخل الجنوب لا تؤيد المجلس الانتقالي وتسعى لطروحات سياسية تُبقي على اليمن موحداً ولكن مع مقاربة معقولة لحل "مظلومية" الجنوبيين. ثانياً: معارضة بعض القوى الإقليمية المهمة لولادة دولة جديدة وبالذات السعودية التي لها حدود طويلة (تزيد عن 1300 كم2) مع اليمن أكثر من نصفها مع حضرموت (ذات الثقل الاقتصادي بحكم الموانئ والنفط) والمهرة، وكذلك سلطنة عُمان، والواقع أن معظم دول الخليج العربي (باستثناء الإمارات التي تناصر المجلس الانتقالي لأسباب سياسية تتعلق بمحاربة الإسلام السياسي والتحكم في بعض الموانئ المهمة) لا تؤيد طروحات المجلس الانتقالي والمطالبة بعودة دولة يمنية جديدة ولو بمسمى جديد، وإذا انتقلنا إلى البعد العربي فإنّ مما لا شك فيه أن معظم إن لم يكن كل الدول العربية لا تؤيد " انفصالات" جديدة في الدول العربية بعد ما حصل في السودان، وما يكاد يحصل في ليبيا وسوريا. ثالثاً: معارضة معظم القوى الدولية الفاعلة وعلى رأسها الولايات المتحدة لتقسيم اليمن، ويقال في هذا الصدد أن الرئيس الأمريكي ترامب رفض مقابلة أحد أعضاء المجلس الانتقالي الذي أراد أن يطرح عليه موضوع الدولة الجديدة، وإذا كان صحيحاً أن معظم دول العالم تتعامل في النهاية مع مَنْ ينتصر ويفرض نفسه على الأرض فإنّ فُرص قبول دول مهمة وذات نفوذ حقيقي بدولة جديدة في اليمن ضئيلة. وإذنْ فما المُحتمل في ضوء الواقع اليمني المستعصي فعلاً والقائم على عدد من المعطيات التي أهمها: * توق معظم الجنوبيين إلى "استعادة" دولتهم وامتلاكهم لقوة مسلحة وأمنية مستقلة (يمثلها المجلس الانتقالي المُموّل خارجياً). * رفض الحكومة الشرعية (ممثلة بالمجلس الرئاسي) المدعوم من "التحالف العربي" بقيادة السعودية والمؤيد من الولايات المتحدة لهذا التحرك الهادف إلى استقلال جنوب اليمن تحت مُسمى دولة "الجنوب العربي". * معارضة القوى الكبرى الفاعلة على المستوى الدولي (وبالذات الولايات المتحدة) لتوليد دولة جديدة في اليمن، ولا ننسى في هذا الصدد أن سياسة الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب تقوم على رفض أفكار الانفصال والفدرالية بل وحتى اللامركزية لقناعتها بأنّ هذا سوف يقود في النهاية إلى الفوضى في حين أنها تريد التهدئة التي تُعتبر أكثر ملاءَمةً لمصالحها. إنّ المحتمل في الواقع في ظل هذه المعطيات الآنفة الذكر أن يتم "تجميد الأزمة" الحالية بين الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً والتي يمثلها "المجلس الرئاسي" وبين المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يشغل رئيسه (عيدروس الزبيدي) وشخصية اخرى مواقع نائبي الرئيس في المجلس، وغني عن القول أنّ السعودية والإمارات (برغم اختلاف مقاربتهما لموضوع جنوب اليمن) يقومان بجهود حثيثة لحلحلة الموضوع والوصول إلى صيغة مقبولة تُرضي طرفي النزاع أيّ الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، ولو أنّ ذلك لم يعد سهلاً بعد بيان وزارة الخارجية السعودية الأخير الذي طلب من الإمارات صراحةً وقف ضغوطها لصالح المجلس الانتقالي، والاستجابة لطلب مجلس الرئاسة اليمني القاضي بسحب جميع قواتها من اليمن. إنّ الطريف في الموضوع أنّ اليمن لم يعرف التقسيم تاريخياً وكان واحداً موحداً ولم تقم هناك دولة في الجنوب إلا في الفترة الواقعة بين 1967 - 1990 حيث كان الجنوب قبلها تحت الاحتلال البريطاني، ولذا فإنّ المأمول أن تتغلب نزعة الوحدة في اليمن السعيد على نزعة الانقسام وأن يتم التواصل بعد تجاوز الانقسام الحالي (حيث يتحكم الحوثيون فعلياً بالشمال) إلى صيغة عادلة ديمقراطية تتعامل مع اليمنيين جميعاً كمواطنين يتساوون في الحقوق والواجبات تحت مظلة القانون.بطاح يكتب: هل تُولد دولة عربية جديدة باسم 'الجنوب العربي'؟
مدار الساعة ـ