لم يعد المال في عصرنا مجرد أداة للعيش، بل صار شريكاً ثالثاً في الفراش، وقوةً خفيةً تغزل هموماً في ثوب القلق. إنه القوة الصامتة التي تعيد تشكيل تضاريس الروح, فلا تصرخ الضغوط الاقتصادية في وجوهنا, بل تتسلل كخيوط من الضباب الثقيل, تمتد فوق موائدنا وزوايا بيوتنا, لتْزيل العواطف وتجيرها لصالح القسوة, حتى يصير الصمت هو الملاذ, والحذر هو البوصلة الوحيدة لفهم الآخر.
في هذا الفضاء الملبد بغيوم القلق, تتحول الأسرة من حضنٍ دافئ إلى مختبرٍ وجوديٍ حاد, حيث لا يُقاس الحب بكلمات الغزل, بل بقدرة القلوب على التنفس تحت ركام ما لا يمكن السيطرة عليه. فالزوجان, وهما يعيشان يومياتهما على حبل الضرورات المشدود, يتعلمان فن الموازنة المستحيل, كيف يفتحان قلوبهما دون أن يكسرهما الواقع, وكيف يسكنان في الحوار دون أن يوقظا وحش العوز والحاجة. تصبح الابتسامة بينهما فعلًا نضاليًا, والاحتواء فنًّا لمواجهة القسوة الهادئة, وسط الخوف المستمر من أي طارئ قد يفرض عليهم التخلي عن واجباتهم الأساسية, أو تلبية مطالب تبدو للكماليات رغم أنفهم, كأن يُطلب منهم شيء يثقل كاهلهم ويكسر خاطر الأب والأم, فيصبح كل طلب اختبارًا للصبر, وكل مقاومة للحاجات غير الضرورية معركة صامتة للحفاظ على توازن البيت وروحه.أما الأبناء, تلك الكائنات الشفافة, فيقفون على تخوم التوتر, يراقبون بعيونهم البريئة نبض المنزل, يقرأون فلسفة الحسابات في انكسار نظرة الأب, وفي تدبير الأم الصبور, دون أن يدركوا ماهية الأرقام. يتشكل البيت هنا كلوحة من التوازنات الهشة, بين فرحٍ مؤجل وخوفٍ مستتر, بين رغبة عارمة في اللعب وواجبٍ غير مكتوب بضرورة مراقبة صمت الكبار. كل ضحكة في هذا البيت هي انتصار صغير, وكل لمسة حانية توازي جبلاً من الذهب لم يُنفق.إن الأزمات لا تخلق الهشاشة, بل تعرّيها. فهي تكشف أن القوة لا تكمن في امتلاك المادة, بل في امتلاك المعنى, في القدرة على فرز الرابط الإنساني عن برودة المعدن, وفي تمييز ما يجب أن يبقى مقدسًا من الودّ, وما يمكن تركه لعواصف الظروف. إنها فلسفة تعلمنا أن أصدق الروابط هي التي لا تُشترى, وأعمق التواصل هو ذلك الحضور الصامت الذي يرمم شقوق الروح دون جلبة.في النهاية, قد يكون المال مرآة تعكس أقصى حدود صبرنا وعمق جذورنا في أرض المحبة, لكنه قد يتحول أيضًا إلى حد قاسٍ يفصل بين القلوب, يفرق الأسرة ويختبر حدودها, فيصبح أداة قوة صامتة يمكنها أن تشطر الوصال, وتختبر الوفاء, وتجبرنا على إعادة تعريف الحب ليس فقط كفعل صمود, بل كمعركة مستمرة للحفاظ على الروابط التي قد تُمزق تحت وطأة ما لا يُمكن السيطرة عليه. الأسرة التي تدرك ذلك, تتجذر أكثر رغم كل شيء, تتواصل بالعين قبل اللسان, وتظل قلوبها نابضة بما هو أبقى من العَرَض الزائل، محاولة أن تحمي ذاتها من قسوة المال وفجوة الانفصال التي قد يفرضها.الشهوان تكتب: الضغوط الصامتة.. صمود القلوب في مواجهة المال
د. ريما فهد الشهوان
مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
الشهوان تكتب: الضغوط الصامتة.. صمود القلوب في مواجهة المال
د. ريما فهد الشهوان
مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
مستشارة وزير الأوقاف للشؤون الأسرية
مدار الساعة ـ