رزنامة حياتنا تعج بالمناسبات والأعياد، تسللت بخبث إلى مجتمعنا وبيوتنا وزقاق حاراتنا المتعرجة.. فلا أدري من اخترعها، فكان أخرها عيد الأم وسبقها عيد الحب عدا عن المناسبات التي تتفجر عليك كل يوم، أعياد ميلاد وزواج ومناسبات عقد قران، وعيد أول نظرة، والمناسبة السنوية للنظرة الأخيرة على الحبيب الخائن .. هل فاتني شيء أو مناسبة نعم نعم .. عيد الخالة الكبرى التي ساعدتني يوما في حل واجب الرياضيات، وأخر صيحات المناسبات والأعياد التي باتت مناسبة سعيدة لدى البعض هي الاحتفال بالطلاق! .. هذه الأعياد طبعا تحتاج إلى هدايا وورود وحلويات لتكون شرعية وبرهان دامغ على صدق مشاعرك تجاه من تحتفل به، ولتكون الحبيب المهتم المحتفل بأخر فلس في جيبك.
أصبحت مشاعرنا تجاه من حولنا كزهرة بلاستيكية تفتح في يوم محدد وثم تعود إلى أدراج ثلاجة المشاعر المؤجلة حتى إشعار آخر، لحين يذكرنا التجار خلال الترويج لهذه المناسبات أو إضافة أو اختراع أعياد جديدة عند الحاجة، لأنها كما يبدو صديقي، أصبحت تجارة رابحة تدر المزيد من الأموال، بعد أن تم الترويج لها بكل الوسائل لجعلها في صميم وجدان الوعي الجمعي وكأنها أصبحت جزءا أساسيا في حياتنا وبدونها لن تكون لها معنى أو قيمة.
التجار وأصحاب الماركات المختلفة تستغل مثل هذه المناسبات من خلال تذكيرك بكل لحظة، وكأن الحب يحتاج إلى «تنبيه» على الهاتف برسالة عاجلة: "اليوم هو الموعد السنوي لشراء هدية وإظهار المشاعر، لا تفوت الفرصة!"، "هل فكرت يوما في مصير أولئك الذين لم يشتروا وردة أو لم يكتبوا رسالة حب؟"، "أمك تستحق خلاط طعام يعمل بالطاقة النووية"، فيوجهون لك عبر إعلاناتهم نظرات الاتهام وكأننا مجرمون ارتكبنا خيانة عظمى بحق الإنسانية!
الأمهات، فيحصلن على وردة وكلمات منمقة في عيدهن، ثم تعود الحياة لطبيعتها، حيث يصبح صوت الأم في البيت مجرد إزعاج، ونصائحها عبارة عن «تكرار ممل»، لكن لا تقلقي يا أمي، العام المقبل سنحتفل مجددا بك لمدة 24 ساعة كاملة! أما الأزواج الذين ينتظرون ذكرى زواجهم ليقولوا "أحبك"، فبشرى سارة: هناك 364 يوما أخرى يمكنهم فيها ممارسة هذا الفعل النبيل مجانا!
المشكلة ليست في الاحتفال، بل في فكرة تحويل المشاعر إلى منتج للبيع، الحب لا يحتاج إلى فاتورة، والامتنان للأم لا يقاس بخصومات المتاجر.
يا سادة، لنبق الحب طازجا، لا حبا معلبا بموسم صلاحية محدد، وإذا كنت مصرا على الاحتفال، فاجعل كل يوم عيدا، وكن كريما بالعواطف كما أنت كريم ببطاقتك الائتمانية.