بعد ثلاثة شهور ماضية على سقوط النظام السوري السابق، يمكننا القول إن وجود سوريا قوية هو خطر على طرفين اثنين مع أنهما متناقضين. والطرفان هما إيران ومن ثم إسرائيل. هذا من ناحية جوهر الفكرة بحسب التصريحات والمواقف التي أعلن عنها من الطرفين. أما من ناحية زمنية، فإن سوريا القوية تشكل خطرًا على حالي ومستمر على إيران. فيما أن سوريا القوية هي خطر متوقع على إسرائيل مستقبلا. لذلك يعملان اي إيران وإسرائيل على اضعافها. في المقابل، فإن الأردن يعمل على تقوية سوريا الجديدة لأن في ذلك فيه فائدة للأردن كما هي فوائد لسوريا ولعدد من دول الجوار .
نبدأ من إيران. وحيث أن سوريا الجديدة لها عنوانين اثنين متلازمين. الأول أنها عربية والعنوان الثاني أنها سنية المذهب من الناحية الإسلامية. من هنا فإن اجتماع هاتين الصفتين معًا هما في الاتجاه المعاكس للجمهورية الإسلامية حيث أن عنوانها أنها غير عربية كما أنها شيعية المذهب الديني من ناحية إسلامية. أما نتيجة ذلك فهي كما جاء في تصريح الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع قبل ثلاثة شهور عندما قال لقد أعدنا المشروع الإيراني أربعين سنة إلى الوراء. وكلامه صحيح. من حيث أن سوريا الجديدة أنهت تمدد المشروع الإيراني والتي كانت سوريا السابقة العلوية أحد أطرافه الرئيسة. مع التذكير هنا أن التحالف الإيراني السوري يعود إلى عقود ماضية. بدأ ذلك عندما وقفت سوريا الأسد الأب في صف إيران في مواجهة العراق السني ثم دخول سوريا الأسد الأب في التحالف الدولي لإسقاط النظام العراقي السابق. لذلك ومنذ ثلاثة شهور ومع قدوم النظام السوري الجديد فقدت إيران توازنها. لذلك هي تسعى إلى تفتت سوريا من جديد. أما الهدف من ذلك فهو سعيها نحو حث العلويين الشيعة في سوريا على تأسيس حزبًا جديدًا لهم. هو حزب الله السوري. قياسًا على التجربة اللبنانية حيث حزب الله اللبناني. من هنا فإن إيران تبذل كل جهدها من أجل إيجاد فجوة كبيرة ما بين الطائفة العلوية في سوريا (10%) وما بين الدولة السورية الجديدة. ترجمة لقناعة لديهم تقول: خسرنا سوريا كدولة لذلك علينا أن نربح جزء منها كحزب وهو حزب الله السوري.قياسا على نظرة إيران إلى لبنان .
انتقل إلى إسرائيل. ومع أنها تدرك أن سوريا الجديدة منشغلة والى عقود في البناء الاقتصادي من جديد. وإن وضعها العسكري لا يؤهلها كي تكون خطرًا على أي دولة أخرى مجاورة. لكن مع ذلك، تسعى إسرائيل إلى أن تكون سوريا الجديدة دولة فدرالية. لذلك تسعى نحو إيجاد شرخ ما بين الدروز في جنوب سوريا (3%) مع الدولة السورية الجديدة مع التعهد بحمايتهم. السؤال اليوم. هل تدرك إسرائيل أنها بما تسعى إليه أنها تسهل مهمة إيران التي تقول إنها عدوة لها؟ فعندما تسعى إسرائيل إلى أن تكون سوريا الجديدة دولة فدرالية تعزز حكم الأقليات فإنها بذلك تسهل مهمة إيران في إدلجة الطائفة العلوية من أجل تأسيس حزب الله السوري كحالة نسخ عن التجربة اللبنانية. في ذات السياق تتناسى إسرائيل أن وجود نفوذ تركي داخل سوريا هو أقل خطرًا على إسرائيل من وجود نفوذ إيراني داخل سوريا الجديدة عبر الطائفة العلوية فهي شيعية المذهب. أما لماذا يعتبر الخطر التركي داخل سوريا الجديدة هو أقل من الخطر الإيراني فهو يعود إلى أن تركيا وقعت معاهدة سلام مع إسرائيل. فيما يوجد العكس في الحالة الإيرانية يعزز ذلك الهتافات التاريخية التي تطالب بالموت لأمريكا وإسرائيل.
أتحدث الآن عن الأردن من حيث الجهود الإقليمية الكبيرة التي يقوم بها من أجل تقوية سوريا الجديدة. هذه الجهود لها أسباب كما أن لها مبررات. نبدأ من الأسباب. وأبرزها أن استقرار سورية ووحدتها يعيدها إلى أن تكون مركز جذب سكاني من جديد. مما يساهم في زيادة أعداد اللاجئين السوريين العائدين من الأردن إلى سوريا. وفي ذات الاتجاه فإن قوة سوريا الجديدة يمنع قدوم لاجئين جدد من سوريا إلى الأردن. إضافة إلى أن سوريا الجديدة الموحدة تعني ضبط أمن الحدود لمنع تهريب الأسلحة والمخدرات. وهذه كلها تخدم مصالح الدولة الأردنية. كما أنها تخدم سوريا الجديدة وتخدم الدول المحيطة بها وهي لبنان والعراق وتركيا. وهذا ما تم تأكيده في اجتماع سوريا وجوارها. الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان هذا اليوم. أما المبررات التي تؤهل الأردن للقيام بهذا الدور الإقليمي فهنالك مبرران اثنان . الأول هو الحوار الجغرافي. والثاني فهو أن التركيبة الاجتماعية للدولة السورية تساعد الأردن على تحقيق أهدافه ذلك أن (75%) من السوريين هم مسلمون عرب سنة وهذه النسبة تقترب من التركيبة القومية والمذهبية في الأردن. حيث أنها في الأردن أعلى من ذلك بكثير جدا.
ختاما. ما بين سعى إيران وإسرائيل إلى إضعاف سوريا الجديدة. وسعي الأردن إلى تقويتها. فإن كافة المعطيات السياسية إضافة إلى خصائص التركيبة الاجتماعية السورية تجعل الأردن هو الأقرب إلى تحقيق أهدافه. فهو الأقرب. فيما إسرائيل بعيدة. كما أن إيران أبعد وأبعد.