ترامب صاحب كتاب فن الصفقة، والمتقن لاستغلال الظروف وتحريك الجمهور، وهو الذي سبق له ان استغل الازمة الاقتصادية في نيويورك في سبعينات القرن الماضي ليضع لنفسه خطة محكمة لكيفية التعامل مع الوضع القائم، والوصول الى حلول لتحقيق اقصى درجات الربح، متجاوزاً كل القواعد المتعارف عليها، وطارحا الحلول العقارية للازمة وينجح فيها ويبني لنفسه امبراطورية اقتصادية عظيمة.
كما ان ترامب وجد ضالته في سواحل غزة صاحبة أفضل موقع استراتيجي، معلناً بضرورة تهجير الفلسطينيين والسيطرة عليه لتطويره ليصبح ريفييرا الشرق ومركز للسياحية وصناعة تكنولوجيا المعلومات (وهي أفكار تتطابق مع افكار شمعون بيرس في تسعينيات القرن الماضي، دون التهجير)، بحيث يتم ذلك عن طريق العروض الاستثمارية "البناء -التشغيل -نقل ملكية B.O.T" (لكن السؤال هنا لمن تعود الملكية بعد التهجير). الا انه من الواضح وجود اهداف استراتيجية أخرى من وراء الإصرار على الاستحواذ على غزة، وقد أشرنا في الجزء الأول من المقال الى الطرح المقدم من كوشنير عام 2019 كجزء من صفقة القرن والتي وقف الأردن ضدها بصلابة كي لا تمر، معتبراً بان النزاع الإسرائيلي الفلسطيني هو نزاع عقاري.
اننا نعتقد بان هناك عدد من الأهداف التي يسعى لتحقيقها كل من ترامب ونتيناهو، تكمن في عدة جوانب، منها انهاء فكرة قيام الدولة الفلسطينية، وتقديم الدعم لإسرائيل عن قرب لضمان امنها (حيث اثبتت احداث 7/10/2023 بانها لا تستطيع الاستمرار بدون الدعم الامريكي)، وفرضها كقوة إقليمية، وقطع الطريق امام التمدد الصيني في المنطقة ومحاصرتها في افريقيا، وانشاء قاعدة امنية وعسكرية امريكية (لتكون حلقة وصل بين كافة القواعد الامريكية في شرق المتوسط وأوروبا وافريقيا، بل ومن الممكن ان تكون مقراً للقيادة الامريكية خارج اراضيها) دون الاعتماد على الدول الحليفة في المنطقة لتامين الدعم اللوجستي والتدخل العسكري المباشر ان تطلب الامر، والسيطرة على طرق التجارة البحرية ببناء ميناء غزه الذي سيكون اهم ميناء على سواحل البحر المتوسط، وهذه الهدف يلتقي بخطة نتيناهو لرؤية غزه 2035 كمنطقة للتجارة الحرة تربط العريش المصرية بسيدروت الإسرائيلية، ولاحقاً طريق الازدهار الاقتصادي والتحكم بمصادر الطاقة وخاصة غاز شرق المتوسط وغيرها من العوامل التي تجعل من امريكا القوة المهيمنة واللاعب الاقوى في إعادة تشكيل النظام العالمي الجديد الاخذ في التبلور وبشكل متسارع (وهذا واضح من التقارب الأمريكي الروسي لإنهاء الحرب الأوكرانية لصالح روسيا، وتوسيع النفوذ الروسي في وسط اسيا والبلطيق وغيرها، فكلا الرئيسين الأمريكي والروسي يسعيان لاستعادة عظمة بلادهم، ومحاولة وقف التقارب الروسي مع كل من الصين وايران، تخفيض صادرات الطاقة الروسية الرخيصة للصين لإضعاف اقتصادها، وتقوية الهند على حساب الصين) دون الاعتماد على الدول الأوروبية ومحاولة تحجيمها ان امكن ذلك، وهنا يجب ان لا نستبعد بانه قد يكون تم التوصل لتفاهمات بين روسيا وامريكا بخصوص خارطة جيوسياسية جديدة للمنطقة ستظهر نتائجها مستقبلاً، لا بل قد نشهد اجتماعاً بين أمريكا وروسيا والصين لرسم الخارطة العالمية الجديدة كما حصل في مؤتمر يالطا 1945 بين ستالين وتشرشل وروزفلت حيث تم تقسيم أوروبا الى مناطق نفوذ بينهم وغيرها من الامور.
كما ان ما يجري من حراك سياسي جيواستراتيجي على الساحة العالمية ينذر بخطورة بالغة الأهمية قد تؤدي الى حل هيئة الأمم والمنظمات الدولية وإعادة تشكيلها، وبكل تأكيد سيكون خطراً جيوسياسياً عظيماً على دول الضعيفة اضلاً، والتي لا تستطيع ان تجد لنفسها مكاناً على الطولة، الا عن طريق تشكيل تكتل عربي ان أمكن ذلك او تكتل أردني-مصري-سعودي-خليجي لحماية مصالحهم بشكل معقول. وتعتبر هذه فرصة ذهبية لدولنا لحماية نفسها ومصالحها وحماية حقوق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته وفقاً للقرارات الاممية، مع الاخذ بعين الاعتبار بانه من الممكن ن تذهب بعض الدول الوازنة الى التصعيد لدرجة المواجهات التصادمية لحماية مصالحها والتي قد تؤدي لمواجهات عالمية.
اما الشرق الأوسط والذي عانى ما عاناه وخاصة منذ عام 1990 (بعد الخطاء العراقي الذي ضرب العمود الفقري للأمن العربي) وما تبعها من اتفاقيات مدريد واسلو ووادي عربه، مروراً بأحداث 11/9/2001 والحرب على الإرهاب وما سمي بالربيع العربي والأوضاع السياسية والامنية التي اضعفت اقتصاد دول المنطقة، والانقسام الفلسطيني وصولاً الى حرب غزه، كلها هددت الامن القومي العربي وجعلت استقرار المنطقة امر في غاية الصعوبة، كما واضعفت اهتمام دول المنطقة بالقضية الفلسطينية، باستثناء الأردن الذي استمر بقيادة الملك مدافعاً عنها باعتبارها ركيزة السياسة الأردنية، وان إيجاد الحل لها يعتبر مصلحة وطنية عليا للأمن الوطني الأردني.
اننا في الأردن، كنا وما زلنا مستهدفين، فجاءت الهجرات القصرية عام 1948، واستطاع الأردن استيعابها، ليتبعها هجرة عام 1967، وغيرها من الهجرات المتلاحقة وصولاً الى اللاجئين السورين، وعلى الرغم من تمكنه من استيعابها (يصعب على أكبر الاقتصاديات العالمية استيعاب مثلها)، الا انها وضعت ضغوط هائلة على الاقتصاد الأردني وبنيته التحتية والاجتماعية.
كما ان الأردن وجد في التصريحات الأخيرة لترامب بالطلب منه ومن مصر بالقبول باستيعاب سكان قطاع غزه (والامر لن يتوقف هنا بل سيتوسع ليشمل سكان الضفة الغربية) تهديداً وجودياً له، وهو الامر الذي قوبل بالرفض القاطع من الملك ومن حوله الشعب الأردني، وكذلك مصر والدعم العربي وخاصة من الشقيقة السعودية (الدولة العربية الصاعدة على الساحة العالمية وبقوة)، التي أصبح امنها مهدداً ايضاً بعد تصريحات نتيناهو ضدها (والهادفة لعرقلة صعودها)، وهو الدعم الذي نأمل ان يتعمق ويستمر وبقوة، حفاظاً على امن الأردن وامن دول الخليج العربي المرتبط معاً وبقوة، اخذين بعين الاعتبار حالة الاجماع الدولي الرافضة لمثل هذه الأفكار.
ان الأردن يعي جيداً الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية الكبرى والساعية ومنذ عهد بن غوريون (نيفو 1954) للسيطرة على كل فلسطين ودفع حدود مصر لخلف السويس والاستيلاء على أجزاء من سوريا وجزء من أراضي الأردن وبعض الأراضي السعودية، وكما لا زالت في ذاكرة الاردنيين معركة الكرامة والتي كانت تهديد عسكري مباشرة للأردن، وخطة يينون عام 1982 والتي تبناها معهد الاستراتيجيات اليهودية، والداعية الى إيجاد مشاريع لخلق الفتن الطائفية والعرقية وتعزيزها لتفتيت الدول العربية الواحدة تلو الأخرى (ولم يستثني مصر على الرغم من وجود اتفاقية سلام معها) ومنها الأردن لتسهيل طرد الفلسطينيين، وهو يشير الى ان سياسة إسرائيل اتجاه الأردن يجب ان تبقى ثابته مهما كانت الظروف (الحرب او السلم). وعلى الرغم من قناعة الجميع بان مثل هذا المشروع قد انتهى وخاصة بعد اتفاقية وادي عربة الا ان نتيناهو أعاده عام 1996 بطريقة أخرى وتحت استراتيجية الملكوت. تبعها تعديلات على الخطط بهدف استبدال الاستقرار النسبي في الدول المجاورة الى زعزعة استقراها وخلق الثورات فيها ان تطلب الامر، مما يسهل ويسرع في إعادة ترتيب المنطقة قبل بلورة شكل النظام العالمي الجديد.
ان الأردن على اطلاع بخطة ايزنكوت للبيئة الاستراتيجية الإسرائيلية المعدة عام 2019 والهادفة للسيطرة على مصادر الطاقة وطرق توزيعها والممرات البحرية المهددة للاقتصاد العالمي والمحافظة على عدم استقرار دول الشرق الأوسط كصفة مميزة وتعظيم القيم مع أمريكا والعالم الغربي والمحافظة على التفوق النوعي والقضاء على كافة اشكال المقاومة والسيطرة على غور الأردن واستغلال الأماكن الدينية للديانات التوحيدية اخذاً بعين الاعتبار إمكانية انهيار اتفاقية السلام مع الأردن.
يضاف الى كل ذلك التهديدات المستمرة من قبل المتطرفين من أعضاء الحكومة الإسرائيلية الحالية والمتكررة خلال السنوات الأخيرة وتوسع قاعدة اليمين الإسرائيلي خلال العقد الأخير، وتصريحات ترامب المتعلقة بالتهجير من غزه وضم الضفة الغربية. وعلى الرغم من ان ترامب تراجع عن قوله بان الأردن ومصر ستقبلان باللاجئين بعد ان تفاجئ من قوة الرد الأردني والمصري وكذلك ردود الأفعال العالمية واكتفى بالتوصية بالأخذ بها. وهنا نشير بان تراجع ترامب قد يكون بسبب وصوله الى قناعه بان يقبل مرحلياً بالخطة العربية، وقد يكون اقتنع بخطة بيرز لقطاع غزه (دون التهجير، ولكن بشكل حكم جديد لغزه يضمن تنفيذ خطته الاستثمارية) وسيعيد طرح مثلها بعد ادخال التعديلات التي تضمن له الهيمنة على غزه، ولا نستبعد اعتبار هذا التراجع إحدى تكتيكات ترامب في إدارة الصفقات، بهدف كسب الوقت وإيجاد الظرف المناسب للدفع بها من جديد، كما حصل في صفقة القرن سابقاً.
ان تصريحات ترامب أدت الى خلق واقع سياسي جديد في إسرائيل اذ انه إعطاء لها بعداً شرعياً من رئيس اقوى دولة (رغم مخالفته للقوانين الدولية، وهو الذي لا يهتم بذلك) ما كانت لتستطيع الدفع بمثله امام المحافل الدولية، كما ورسخ في عقول المجتمع الإسرائيلي الفكرة المتوافقة مع استراتيجية اليمين المتطرف، وسيسعى بكل قوة لتحقيقها عن طريق التوسع التدمير الممنهج وحرب الإبادة في غزة والضفة الغربية.
ان الأردن الذي يتعرض للضغوطات السياسية والاقتصادية والتي قد تكون الأقوى في تاريخه بسبب مواقفه الثابتة والمطالبة بقيام الدولة الفلسطينية وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، وكون التهديد لأمن الأردن ما زال قائماً، فأن الاردنيين اليوم مطالبين اكثر من أي وقت مضى بتقوية المؤسسات الوطنية كافة وتعزيزها بالقوى البشرية الفاعلة والقادرة على النهوض بالاقتصاد الوطني، كما ان المجتمع الأردني بكافة اطيافه السياسية والاجتماعية مطالبين بالوقوف صفاً واحداً ضد أي نوع من أنواع الاختراق للبيئة الاجتماعية الداخلية، ومطالبين بالتوحد وبقوة خلف القيادة الهاشمية صاحبة الحكمة والخبرة العظيمة وهي الحالة التي يجب ان تكون الحالة الطبيعية في الأردن، باعتبارها الضمانة الوحيدة لحماية الأردن وتعزيز قوته في مواجهة كافة اشكال التهديدات التي من الممكن ان يتعرض لها، وان يكون شعارهم امن واستقرار الأردن هو الاهم.