تجربتها كمسلمة بين فرنسا العلمانية وألمانيا المسيحية

 مدار الساعة - قضيت ما يقرب من ثمانية أعوامٍ في باريس، ثم انتقلت للعيش في ألمانيا، ثمة فروق جمة في مناحي الحياة لي كمسلمة من أصل عربي، بدأت حياتي في أوروبا وأنا في منتصف العشرينيات من عمري، بين فرنسا التي تفتخر بكونها علمانية وبكون شعارها حرية مساواة أخوة، والحرية في كل شيء -إلا أن تكون معتقداً الإسلام مطبقاً لشرائعه من حجاب وصوم وصلاة- والمساواة التي ستحصل عليها لا شك في حياتك الاجتماعية، والتي صدقاً لا فرق فيها بين فرنسي وأجنبي ما دمت من دافعي الضرائب.

 
سيتم مساواتكم في الخدمات الاجتماعية، وسيتعلم أولادكم في نفس المدارس، وسيجلسون معاً على نفس طاولة الطعام في وقت الراحة بالمدرسة، لكن من أجل شعار المساواة ذلك لن يحق لك رفض الطعام الحرام المقدم لصغيرك حسب اعتقادك الديني، وكأنه في بعض النقاط المفصلية في الحياة يتناقض شعار الحرية والمساواة.
 
أما عن الأخوة فنحن إخوة ما دام لا يميزنا حجاب ولا اختلاف لغة، أُخوة مشروطة بأن تكون مسخاً، وأن تتخلص من كل ما يجعل لك هوية من دين أو لغة، لن يتعرض لحجابك أو صيامك أحدٌ ما دمت بعيداً عن العمل الرسمي والدراسة العملية، لذلك يختلف الناس في آرائهم في الحياة في فرنسا حسب كيف عاشوا، وماذا عملوا، ومع من؟
 
في ألمانيا ترى الحجاب بشكل أكثر في الشوارع، بعض المناطق تشعر وكأنك في أحد شوارع إسطنبول أو القاهرة، أسماء المحلات العربية والتركية لا تخلو منها منطقة، المساجد التركية والمساجد العربية منتشرة في كل مكان، خاصة في الولايات والمدن الكبرى مثل هامبورغ وبرلين وفرانكفورت.
 
وبينما كنت لا أستطيع إيجاد لباس مناسب في باريس لحجابي كان الأمر سهلاً جداً في ألمانيا، كل الطعام العربي والشرقي متاح، والأهم من ذلك وجود الله في عقول الناس وقلوبهم، ستسمع حتماً كلمة الحمد لله يومياً بكل اللغات، من مسلمين وغير المسلمين. وحتماً توجد عنصرية، ويوجد تمييز، خصوصاً في ولايات الشرق، لكني لم أتعرّض يوماً لموظف أو موظفة تطلب مني خلع حجابي.
 
في ذلك المقال سأعرض مواقف من نواحٍ حياتية مختلفة، بين فرنسا العلمانية وألمانيا المسيحية.
 
مواقف في الحياة اليومية
باريس 2010
 
أرسلت طلباً مرفقاً بصورتي الشخصية بالحجاب، لطلب كارت التأمين الصحي الخاص بي، بعد شهر حصلت على ردّ بأن الصورة غير مناسبة ومخالفة للقانون. واضطررت لاحقاً لإرسال صورتي دون حجاب، هكذا كان الأمر في كل الوثائق الرسمية، كارت الإقامة وكروت التأمين والمواصلات.
 
باريس 2014
 
يطلب مني الموظف المسؤول عن ملفي في مكتب الأجانب رؤية هويتي من دون حجاب، أعترض وأُخبره أن القانون يسمح له بأن يرى حتى أذنيّ والجبهة، يتعنت الموظف ويخبرني أن أوراقي ناقصة، لأضطر للعودة مرة أخرى بعد عدة أيام لإكمال ملفي.
 
ألمانيا 2021
 
أحصل لأول مرة منذ عشر سنوات على إثبات شخصية تكون صورتي الشخصية فيه بالحجاب! ما زلت أتمتع بنفس الحقوق والواجبات التي حصلت عليها في فرنسا.
 
أما عن حرية الاعتقاد وأثر ذلك على نفسية أبنائي فيمكنني إخباركم بالآتي:
 
باريس 2012 
 
يخبر ابني محمد معلمته الفرنسية أن السماء لا تقع رغم أنها ليس لها أعمدة لأن الله يمسكها، ترد عليه قائلة لا يوجد إله، السماء هكذا لأن هذه هي الطبيعة.
 
اشتكت صديقتي من إجبار المعلمة ابنها على الإفطار في رمضان، بحجة أنه لن يستطيع التركيز في المدرسة، وأن هذا إهمال من الوالدين، وأنهم يجبرون أطفالهم على الصوم، ما يجعل الأطفال يكتمون صومهم.
 
ألمانيا 2020
 
تطلب معلمة مادة الأديان من ابنتي تحضير بعض الأشياء عن الإسلام، وإحضار لبس الصلاة وسجادة الصلاة، لتشرح لبقية الفصل كيف يصلي المسلمون، وإحضار فانوس رمضان كمظهر للاحتفال بشهر رمضان، تتحدث عن الصيام وكيف أنه صحي، وتطلب من الطلبة باختلاف دياناتهم اختيار شيء للصوم عنه في رمضان، الذي وافق في ذلك العام صيام المسيحيين، الصوم الكبير، وتتحدث عن الزكاة والحج.
 
تُسر ابنتي بذلك، ويبدأ الآخرون بسؤالها عن أشياء كثيرة في الإسلام، تشعر ابنتي أنها جزء من المجتمع، وأننا كلنا مختلفون يحترم كل منا اختلاف الآخر. بينما تسأل معلمة ابني الطلاب في الفصل من منهم صائم لكي ينهي وظائفه التي تحتاج إلى تركيز في وقت مبكر.
 
تصرّف يجعل الطفل لا يخجل من كونه صائماً، ولا يحاول إثبات أن الصيام لا يؤثر على تركيزه الذهني، فيكون الطفل متصالحاً مع نفسه ومع المجتمع الذي يحترمه، ويحترم هو في المقابل ذلك المجتمع وعاداته وثقافته.
 
بينما كنت أكتب هذا المقال، جاء ابني طالباً مني مساعدته في كتابة واجب مادة الأديان، والذي كان بالصدفة عن الإسلام، بينما في فرنسا لا يوجد من الأصل حصة أديان!
 
الحرية في الطعام
باريس 2011 
 
لا يمكنني طلب وجبة حلال لأولادي في وجبة الغداء، ولا منعهم من تناول الدجاج واللحوم غير الحلال دون لحم الخنزير، وذلك لأن القانون يمنع ذلك، حتى إن بعض المدارس والمربين لا يلفتون نظر الأولاد إلى وجود لحم خنزير أو مشتقاته في الطعام. وإذا تحدثت معهم يردون عليك أن الطفل له حق الاختيار، وأن المساواة والحرية شعار الجمهورية!
 
ألمانيا 2017
 
أُخبر المسؤولين عن إعداد وجبات الغداء للأطفال أن أولادي لا يأكلون الخنزير ولا اللحوم غير الحلال، وأنه من الأفضل معاملتهم في المدرسة كنباتيين، تسجل الموظفة المعلومة مباشرة، وتشكرني أني أخبرتهم.
 
ألمانيا 2021
 
في اجتماع أولياء الأمور لطلبة الصف الأول الابتدائي تخبرنا مديرة المدرسة ببعض القواعد، منها أنه ممنوع إحضار حلوى بها جيلاتين حيواني احتراماً للأطفال المسلمين.
 
في ألمانيا شعرت في تلك النقطة بالراحة أكثر، فأنا مطمئنة تماماً أنه لن يأتي شخص ما ويطعم أولادي شيئاً لا أعرفه، وأن الحرية هي احترام حرية الآخرين ما دامت لا تضر شخصاً آخر.
 
أما في الحياة الثقافية والدراسية لي كمسلمة محجبة فكانت مليئة بالمواقف والحكايات:
 
حياتي أنا كمسلمة محجبة
باريس- المكتبة المركزية
 
أذهب لاستعارة كتاب من المكتبة المركزية في باريس، مكتبة عتيقة، رائحة الكتب القديمة والسقف المزخرف المرتفع جداً تشدني إلى الداخل، يوقفني موظف المكتبة فأخرج له كارنيه الجامعة، ينظر إليّ قائلاً كيف تستطيعين الفهم وقطعة القماش تلك على رأسك؟!
 
شعرت وقتها برغبة عارمة في الضحك على قوله، وأن إنساناً حباه الله بالعقل يظن أن الحجاب حجاب للعقل، وذلك رغم غضبي الشديد الذي ظهر في ردي عليه بقولي إن هذا قول عنصري، وإنه لا يحق له منعي من الدخول وقتما أشاء، ولا يوجد قانون يسلب مني هذا الحق. وأدخل بعد ذلك ويدخل متتبعاً لي، ينظر خلسة وأنا أقرأ وأقوم بالتلخيص، وكأنه حقاً لا يصدق أن الحجاب لا يمنعني من الفهم.
 
2016
 
أقوم بالتسجيل في إحدى دبلومات طب الأسنان في مستشفى جامعي للأطفال بباريس، أجبر على خلع حجابي على باب المستشفى، لأن هذه قوانين العمل، أتعامل مع المرضى وأعالجهم دون مشكلة تذكر، بعد فترة بدأت أتحايل على خلع الحجاب بشكل كامل، أَخبَرَ زميلُنا العربي -الذي يفتخر بإفطاره لرمضان وأن هناك فتاوى تسمح بالصوم على مواقيت أخرى ليس لها علاقة بالمكان ولا الزمان- المشرفةَ أني محجبة! تطلب مني المشرفة عدم التعامل مع المرضى لأني ليس لدي معادلة فرنسية، وتقول إننا لسنا في إفريقيا هنا!
 
وربما أمثال زميلنا العربي هم من أضرونا بأكثر من عنصرية بعض الفرنسيين أحياناً، فهو يظهر زملاءه المطبقين للشعائر الأساسية للدين كمتطرفين ومتشددين!
 
على العكس تماماً في ألمانيا، تجد الجالية التركية في معظمها ملتزمين بالشعائر الأساسية، من الحجاب والصلاة وتعليم الأولاد العربية والتركية في المساجد. فمن الطبيعي أن يخبر الأطفال معلمة الفصل الألمانية أنهم يذهبون يومي الإجازة الأسبوعية لتعلم العربية والإسلام، ولن يستدعيك أحدٌ متهماً إياك بالضغط على الأولاد.
 
في ألمانيا، سواء كنت في مكتب الأجانب أو في المشفى أو مكان، يمكنك مقابلة موظفة أو طبيبة محجبة.
 
بالطبع تتعرض المسلمات المحجبات لضغوط في العمل أو قبولهن في مجالات العمل المختلفة هناك، لكن تبقى هناك فرصة للعمل بالحجاب، أعلم أن هذا ربما لأني أعيش في ولاية مثل هامبورغ، لكن لي صديقات كثيرات يعملن بالحجاب في مجالات مختلفة، ربما أقل تلك الفرصة في ولايات الشرق.
 
أعود وأؤكد أن ألمانيا بالطبع ليست المدينة الفاضلة، ومن المؤكد تعرّض الكثير من المسلمات للإقصاء في العمل والدراسة والحياة الاجتماعية فيها بسبب الحجاب، حتى الحياة في فرنسا، بعيداً عن العمل والوثائق الرسمية، لا أكاد أذكر أني تعرضت لمواقف يومية سخيفة من المواطنين أنفسهم بسبب الحجاب.
 
أقول هذا رغم تعرضي لأكثر المواقف صعوبة في حياتي، بسبب تعنت إحدى موظفات مكتب الأجانب عندما قمت بخطأ غير مقصود في إجراءات الإقامة في ألمانيا، والتي كانت سبباً في صدور قرار ترحيل منذ سنوات بحقي، لكن بشكل عام هناك اختلاف كبير بين البلدين وبين العقل والثقافة الفرنسية والعقل والثقافة الألمانية.
 
لا شك أيضاً أن تربية الأولاد في بلد غير مسلم هو أمر شاق يحتاج لكثير من الصبر والحكمة، لكن وجود جالية مسلمة قوية كالجالية التركية ترك أثراً كبيراً في الحياة العامة، وخاصة للمسلمين، على عكس الجاليات المسلمة في فرنسا، التي على كثرتها ليس لها أثر واضح وجليّ كالجالية التركية في ألمانيا. 
 


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية