مما علَّمتني إياه سورة الفيل في القرن الواحد والعشرين

 مدار الساعة - قال الله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم

(ألمْ ترَ كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألمْ يجعلْ كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف مأكول).
 
سورة قصيرة وقعت أحداثها عام مولد النبي، صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد طفل مسلم لا يحفظها، ففيها من الخيال والصور الذهنية ما يجعل أي طفل يتخيل نفسه ساعة أحداث السورة وهو يجلس على تلال مكة يراقب بشغف طفولي مجريات ما يحدث.
يتلفت الطفل فإذا برجل شديد الوقار والهيبة يجلس قريباً منه يراقب معه بحذر مشهد مكة من بعيد، نعم.. إنه عبدالمطلب.
 
فهذا هو الفيل محمود يشير إليه، نعم إنه الفيل محمود، وهؤلاء هم أصحاب الفيل أتوا به إلى مكة ليهدموا كعبتها، يكيدون لأم القرى ويأتمرون بها ليقتلوها ويقتلوا قريش،
 
لكن كيدهم نفسه هو الذي ضلل مساعيهم فأعماهم.
 
وبينما أصحاب الفيل في تركيز شديد على مهمتهم يَدعونه ليقوم بما رسموه له، إذ سمعوا من خلفهم خفق أجنحة الطير الأبابيل، كأنها طيور من عصر الديناصورات أو هكذا يتخيلها الأطفال اليوم، لم نرَها نحن ولم يروها.
في منقارها وبين مخالبها حجارة من سجيل، لعلها سوداء يتوهج منها احمرار الجمر والنار وتشتعل إذ تحتَكُّ بالهواء فيصدر منها صوت قاصف.
 
يلتفت الجنود وأصحاب الفيل على صوت خفق أجنحة يتردد بين جنبات التلال المحيطة بمكة، فيرتد صدى الصوت مضاعفاً فترتعد فرائص واحدِهم وتصطك أسنانه وتوهن ركبتاه.
 
منظر مخيف وأصوات مريعة والقلوب قد بلغت الحناجر، فليس من شيء يخافه الإنسان أكثر من المجهول أو مواجهة شيء لا معرفة سابقة عنده له.
 
في تلك اللحظات بين مصدق وغير مصدق وبين تلفت الجند يتساءل جندي من جنود أبرهة: أحق هذا أم سراب؟
 
في تلك اللحظات تبدأ الطير الأبابيل هجومها فتنعطف يمنة ويسرة وتحملها تيارات الهواء المكية الساخنة، وفي تلك اللحظة يخيل للجنود أن حجارة الجمر قد غادرت مناقير ومخالب الطير لا وجهة لها إلا وجهتهم.
 وقبل أن يستطيع أحدهم الالتجاء لما يحميه يعاجله حجر سجيل يجعله كعصف مأكول، شوهه الحجر فلم يبق منه بعد ذلك إلا ما فيما لو رآه الرائي لظنه شيئاً أكلته الدواب وراثَتْه فبقي أثراً بعد عين.
 
هذه هي سورة الفيل، لو أخرجتها استديوهات هوليوود لتسمَّر الناس في مقاعدهم وحبسوا أنفاسهم إذ يشاهدونها، لربما رافق المشهد موسيقى تصويرية يلحنها هانس زيمر فتزيد المشهد روعة وتضفي عليه إهاب الحق حين يصرع الباطل بعد عجز الضعفاء.
 
إنها صورة لمعركة حاسمة من معارك الحق مع الباطل حين يصل الباطل لمنتهى سطوته ويتقوقع الحق في شعف الجبال.
 
هل حدث هذا فعلاً يا أبي؟ يسأل الطفل أباه بعد أن فرغ من قراءة السورة وعيناه تحملقان في عيني أبيه؟ بماذا يجيب الوالد ولده؟، فعلاً فالسورة كأنها من روايات الخيال العلمي.
 
هل حدثت؟
 
ليس هناك دليل واحد حسي على أنها حدثت، فليس هناك كاميرات الجوال تنقل أحداث المعركة في بث حيٍّ ومباشر يتابعه الناس كما يتابعون قصف الطائرات الروسية لمشافي سوريا.
 
وليس هناك كاميرات احترافية تصور من كافة الزوايا كما تصور هدفاً يحرزه محمد صلاح في شباك خصمه.
 
وليس هناك تحقيق صحفي استقصائي يكشف وثائق سريِّة أخفتها حكومة أبرهة الحبشي عن مواطنيها كيلا يفتضح أمر انهزام جيشها الأقوى على يد حفنة من الطيور.
 
ليس هناك إلا خمس آيات تنزلت على رجل صادق فتُذَكِّر قومه بهزيمة الجيش ونجاة قريش.
 
لكن قريشاً تلك في معركة حامية مع هذا الرجل الذي لم يُعهد عليه كذب قط.
 
فقريش تُكَذِّبُ هذا الرجل الصادق الأمين ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، وهنا عظمة تلك الآيات الخمس.
 
فليس أقوى من صمت قريش كفاراً وصحابة على السؤال الذي استفتحت به السورة: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟
 
فلو لم يعلم كفار قريش حدوث موقعة الفيل حقيقة لكانوا أول المكذبين ولمشوا في أزقة مكة قاصعي ظهورهم مصعِّري خدودهم وأيديهم في جيوب سراويلهم يرفعونها عتواً وكبراً على المستضعفين من المؤمنين، أن كيف سمحت لكم عقولكم تصديق هذه الخرافات التي ما سمعنا بها في الأولين!
 
ولو لم يعلم الصحابة حدوث تلك الموقعة لكانوا أول المتسائلين: عم تتحدث يا رسول الله؟ أي أصحاب الفيل هؤلاء؟ فالخبر ليس خبراً عن غيب السماء بل خبر من حارتنا الضيقة التي نعرف فيها بعضنا جيداً.
 
فموقعة الفيل لم يكُن قد مضى على حدوثها أكثر من ٤٠-٥٠ عاماً. أي أن من بين كفار قريش والصحابة من عاصر تلك الموقعة عياناً أو سمع عنها من أبيه وجده اللذين عاصراها شهادة لا سماعاً.
 
كما اليوم لو سألك أحدهم هل فعلاً حدثت حرب يونيو/حزيران ١٩٦٧ قبل خمسين سنة؟ أو حرب أكتوبر/تشرين قبل ثماني وأربعين سنة؟
 
هذه السورة القصيرة هي أقوى دليل على صدق القرآن الكريم، إنها دليل إعجازه الداخلي، حيث يشهد على آياتها من حضرها فلم يكذبها ويقل عنها "فيك نيوز" أي أخبار زائفة.
 
وفي القرآن من هذا الإعجاز الداخلي الشيء الكثير، لكن الفرق بين القرشيين وبين المكذبين اليوم أن القرشيين آنذاك كانوا ما زالت فيهم بقية من خير.
 


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية