ماذا نتعلم من منهجية أبي بكر في استخلافه عمرَ بن الخطاب بعده؟

 مدار الساعة - في شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة النبوية مرض الخليفة أبو بكر رضي الله عنه، واشتد به المرض، فلما ثقل ـواستبان له من نفسهـ جمع الناس إليه فقال: إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميتاً لما بي، وقد أطلق الله إيمانكم من بيعتي، وحلّ عنكم عقدتي، وردّ عليكم أمركم، فأمّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني كان أجدر ألا تختلفوا بعدي.

 
وقد قام أبو بكر رضي الله عنه بعدة إجراءات لتتم عملية اختيار الرئيس القادم، ومن ذلك:
 
أـ استشار أبو بكر كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار:
تشاور الصحابة رضي الله عنهم، وكلٌّ يحاول أن يدفع الأمر عن نفسه ويطلبه لأخيه، إذ يرى فيه الصلاح والأهلية، لذا رجعوا إليه فقالوا: رأينا يا خليفة رسول الله رأيك، قال: فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده، فدعا أبوبكر عبدَ الرحمن بن عوف فقال له: أخبرني عن عمر بن الخطاب، فقال له: ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني، فقال أبو بكر: وإن، فقال عبد الرحمن: هو والله أفضل من رأيك فيه، ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال: أنت أخبرنا به، فقال: على ذلك يا أبا عبد الله. فقال عثمان: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأنه ليس فينا مثله، فقال أبو بكر: يرحمك الله، ولو تركته ما عَدَتك.
 
ثم دعا أسيد بن حضير فقال له مثل ذلك، فقال أسيد: اللهم أعلمه الخيرة بعدك، يرضى للرضا، ويسخط للسخط، والذي يُسر خير من الذي يعلن، ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.
 
وكذلك استشار سعيدَ بن زيد وعدداً من الأنصار والمهاجرين، وكلهم تقريباً كانوا برأي واحد في عمر، إلا طلحة بن عبيد الله خاف من شدته، فقد قال لأبي بكر: ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته؟! فقال أبو بكر: أجلسوني، أبالله تخوفوني؟! خاب من تزود من أمركم بظلم، أقول: اللهم استخلفت عليهم خير أهلك.
 
وبين لمن نبه إلى غلظة عمر وشدته فقال: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما عليه.
 
ب- كتب أبو بكر عهداً مكتوباً يقرأ على الناس في المدينة وفي الأمصار عن طريق أمراء الأجناد، فكان نص العهد:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده في الدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر، ويوقن الفاجر، ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عدل فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بدّل فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت، ولا أعلم الغيب: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227].
 
وفي رواية: أن أبا بكر أشرف على الناس وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا.
 
ونقف مع هذا النص نستجلي عدة أمور:
 
1- إن أبا بكر يسأل الناس عن رضاهم بمن يقترحه ليكون خليفة عليهم، فالمبايعة رضا من كل الأطراف، والأمة لم تكن بعد قد عرفت "بيعة الإكراه"، و"إمارة الاستيلاء"، وإنما المبايعة كما علمهم رسول الله (ص) صفقة يد وثمرة قلب، قال عليه الصلاة والسلام: "من بايع إماماً فأعطاه صفق يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
 
2- إن أبا بكر استفرغ الجهد في استشارة الصحابة ذوي السابقة حول استخلافه ابن الخطاب، فقد ذكر أنه لما أراد العقد لعمر دعا عبد الرحمن بن عوف فاستشاره في الأمر، ثم فعل ذلك مع عثمان بن عفان، وغيره.
 
3- إن أبا بكر لم يسند الخلافة إلى ذي قرابة. (الشورى المغيبة، خالد العشري ص 113)
 
ج- أنه أخبر عمر بن الخطاب بخطواته القادمة: فقد دخل عليه عمر فعرفه أبو بكر بما عزم، فأبى أن يقبل، فهدده أبو بكر بالسيف، فما كان أمام عمر إلا أن يقبل. (أبو بكر الصديق ص 346)
 
دـ أنه أراد إبلاغ الناس بلسانه، واعياً مدركاً حتى لا يحصل أي لبس، فأشرف أبو بكر على الناس، وقال لهم: أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا.
 
هـ- أنه توجه بالدعاء إلى الله يناجيه ويبثه كوامن نفسه وهو يقول: اللهم وليته بغير أمر نبيك، ولم أرد بذلك إلا صلاحهم، وخفت عليهم الفتنة، واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأحرصهم على ما أرشدهم، وقد حضرني من أمرك ما حضر، فاخلفني فيهم فهم عبادك.
 
و- أنه كلف عثمان بن عفان أن يتولى قراءة العهد على الناس، وأخذ البيعة لعمر قبل موت أبي بكر بعد أن ختمه بخاتمه لمزيد من التوثيق، والحرص على إمضاء الأمر دون أي آثار سلبية، وقال عثمان للناس:
 
أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم، فأقروا بذلك جميعاً، ورضوا به.
 
ز- البيعة لعمر بن الخطاب قبل أن يتوفى أبو بكر الصديق، فبعد أن قرأ العهد على الناس ورضوا به، أقبلوا عليه وبايعوه.
 
ولم تتم البيعة بعد الوفاة، بل باشر عمر بن الخطاب أعماله بصفته خليفة للمسلمين فور وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
 
ونلاحظ أن عمر ولِي الخلافة باتفاق أصحاب الحل والعقد، وإرادتهم، فهم الذين فوضوا لأبي بكر انتخاب الخليفة، وجعلوه نائباً عنهم في ذلك، فشاورهم، ثم عين الخليفة، ثم عرض هذا التعيين على الناس فأقرّوه، وأمضوه، ووافقوا عليه، وأصحاب الحل والعقد في الأمة هم النواب "الطبيعيون" عن هذه الأمة، وإذاً فلم يكن استخلاف عمر رضي الله عنه إلا على أصح الأساليب الشورية وأعدلها.
 
إن الخطوات التي سار عليها أبو بكر الصديق في اختيار خليفته من بعده لا تتجاوز الشورى بأي حال من الأحوال، وإن كانت الإجراءات المتبعة فيها غير الإجراءات المتبعة في تولية أبي بكر نفسه.
 
وهكذا تم عقد الخلافة لعمر رضي الله عنه بالشورى والاتفاق، ولم يورد التاريخ أي خلاف وقع حول خلافته بعد ذلك، ولا أن أحداً نهض طوال عهده لينازعه الأمر، بل كان هناك إجماع على خلافته وعلى طاعته في أثناء حكمه، فكان الجميع وحدة واحدة. (أبو بكر الصديق، للصلابي ص 347)
 


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية