عابد يكتب: أثر المطر في الأحكام الشرعية

 بقلم د هاني خليل عابد

 
الحمد لله القائل في محكم التنزيل :" وَهُوَ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا" ( الفرقان :48) ، قوله تعالى:" وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا" . وكما يقال: وضوء للماء الذي يتوضأ به. وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهورا ( تفسير القرطبي)، وأفضل الصلاة وأتم السلام على سيدنا محمد الذي قال عمه أبو طالب في مدحه : 
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
أما بعد؛ فهذه بعض المسائل الشرعية التي للمطر أثر في أحكامها ، سواء ما تعلق منها ببعض أحكام العبادات من صلاة وزكاة، أو في مجال الإجراءات التي على المجتمعات مراعاتها للانتفاع من المطر ؛ ليكون كما دعا النبي صلوات الله عليه «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا» رواه البخاري ومسلم.
قال النووي رحمه الله : "وفيه أدبه صلى الله عليه وسلم في الدعاء فإنه لم يسأل رفع المطر من أصله بل سأل رفع ضرره وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة بحيث يبقى نفعه وخصبه وهي بطون الأودية وغيرها"( شرح النووي على مسلم )
ومن المسائل المذكورة في موضوع حول مياه الأمطار في كتب الفقه ما يأتي :
أولاً : ماء المطر وسيلة من وسائل الطهارة ، أول ما يبدأ به الفقهاء عند حديثهم عن وسائل الطهارة هو ما نزل من السماء وهو ماء المطر  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] ومن العبارات الفقهية الجامعة في هذا المجال قول الفقهاء في حصر المياه المطهرة :ما نزل من السماء وما نبع من الأرض . وماء المطر يذهب النجاسة أيضاً ، جاء في الأم للشافعي :" وإن أتى على الأرض مطر يحيط العلم أنه يصيب موضع البول منه أكثر من الماء الذي وصفت أنه يطهره كان لها طهورا "
ثانيا: وقت المطر وقت عذر يبيح جمع الصلوات جمع تقديم
روى البخاري ومسلم ، عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. زاد مسلم: « مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ». وعند البخاري: فقال أيوب ـ أحد رواة الحديث ـ: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عَسَى. وعند مسلم: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لِئَلَّا يَكُونَ عَلَى أُمَّتِهِ حَرَجٌ». ولا يجوز جمعهما في وقت الثانية، لأنه ربما انقطع المطر، فيكون أخرج الصلاة عن وقتها بغير عذر.( الفقه المنهجي على مذهب الشافعي).
ويشترط لهذا الجمع الشروط التالية:
1ـ أن تكون الصلاة جماعة بمسجد بعيد عرفاً، يتأذى المسلم بالمطر في طريقه إليه.
2ـ استدامة المطر أول الصلاتين، وعند السلام من الأولى.
ومما ينبغي التنبيه إليه ما جاء في :" قرار مجلس الإفتاء الأردني  رقم: (135) (15/ 2009) شروط الجمع بين الصلاتين بعذر المطر ومما ذكر فيه :" الإمام الراتب هو الذي له حَقُّ الجزم بانطباق شروط الجمع من عدمها، وليس لأحد من المصلين الاعتراض عليه في المسجد، سواء أكان اعتراضا لطلب الجمع، أم لتركه؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» رواه البخاري ومسلم، ومن رأى غير ما يراه الإمام فليبحث معه الموضوع بلطف على وجه التناصح. والمأمول من أصحاب الفضيلة الأئمة  أن يقدموا رضا الله تعالى على رضا المصلين، وأن لا ينجروا وراء أهواء الناس ورغباتهم، في الجمع وعدمه، فهم مسؤولون عن ذلك بين يدي الله تعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ » رواه أبو داود والترمذي. فلا يشددوا على الناس بعدم الجمع، ولا يتساهلوا تساهلا يتنافى مع النصوص، ومع أقوال الأئمة في الجمع، فحيثما تحققت الشروط جمعوا وإلا فلا بد من أداء كل صلاة على وقتها المحدد شرعا فذلك هو الأحوط والأبرأ للذمة.
ثالثا: أثر المطر في نصاب الزروع
كل زرع أو ثمر يُسقى بماء المطر أو بماء الأنهار، دون الحاجة إلى بذل كلفة أو نفقة من صاحب الزرع والثمر، أو يشرب بعروقه ـ كالأشجار البعلية ـ يجب فيه العشر إذا بلغ نصاباً ، أما إذا كان يسقى بالنواضح أو المحركات أو نحوها، مما يسبب للزراع كلفة ونفقة، فإن زكاته عندئذ نصف العشر، جاء في الحديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» متفق عليه، والخمسة أوسق تساوي بالأوزان المعاصرة: (611) رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» والعثري من الشجر: ما سقته السماء أو امتص بعروقه، وهو ما يسمى بالبعل.
رابعا : أهمية الإجراءات الوقائية في الحالة المطرية
يذكر الفقهاء أن أحوال المطر تفرض احتياطات ينبغي مراعاتها ، كل حسب مسؤوليته لدرجة أنهم أكدوا أنه :" ويجب على مالك النحل أن يبقي له من العسل في الكوارة قدر حاجتها إن لم يكفها غيره وإلا فلا يلزمه ذلك، وإن كان في الشتاء وتعذر خروجها كان المبقى أكثر، فإن قام شيء مقام العسل في غذائها لم يتعين العسل".( نهاية المحتاج للرملي) ومما ينبغي معرفته ومراعاته في فصل الشتاء
1- العمل على صيانة الأبنية المتصدعة حتى لا يتسرب الماء إلى الساكنين ، والمنتفعين فيلحق الضرر بالناس وممتلكاتهم ،  روى البخاري أن عمر رضى الله عنه أمر  بِبِنَاءِ المَسْجِدِ وَقَالَ: «أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ» وفي عمدة القاري للعيني :" والإكنان من أكننت الشَّيْء أَي: صنته وسترته"
2- تصريف مياه الأمطار بما لا يلحق الأذى بالجيران والناس قال النووي :" من احتاج إلى إجراء ماء المطر من سطحه على سطح غيره، أو إجراء ماء في أرض رجل، لم يكن له إجبار صاحب السطح والأرض على المذهب( روضة الطالبين) وقال القاضي ابن فرحون المالكي :" وأما إحداث الميزاب لماء المطر يصب في دار الجار فذلك ممنوع، سواء أضر بجاره أو لم يضر إلا أن يأذن له في ذلك". (تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام لابن فرحون)
3- تخزين الأغذية في المستودعات بما يحميها من وصول الماء إليها ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» ( رواه مسلم )
4- ومما ينبغي التنبيه إليه أن مياه الميازيب وما يعرف ( بالمزاريب) إن لم تتيقن نجاسته فالأصل فيه الطهارة كما اختاره النووي ( مغني المحتاج للشربيني )
5- وطين الشارع يعفى عنه عما يتعسر لاحتراز منه غالبا ،  إذ لا بد للناس من الانتشار في حوائجهم، فلو أمروا بالغسل كلما أصابتهم عظمت المشقة عليهم، بخلاف ما لا يتعسر الاحتراز عنه فلا يعفى عنه لكن لهذا العفو ضوابط فيعفى في زمن الشتاء عما لا يعفى عنه في زمن الصيف ، ويعفى في أسفل الثوب من جهة الأقدام عما لا يعفى عنه في الكم واليد ، وضابط القليل المعفو عنه هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة على شيء أو كبوة على وجهه أو قلة تحفظ، فإن نسب إلى ذلك فلا يعفى عنه( مغني المحتاج للشربيني)
6- ضرورة التشجيع على جمع مياه الأمطار للانتفاع منها للزرع ، والسقاية من خلال تعزيز وسائل جمع مياه الأمطار بالمتاح من الخزانات والآبار ، لأن من يفعل ذلك ينتفع من جمع مياه المطر ولو بيعا بعد جمعه ( المجموع شرح المهذب بتلخيص)
 
 


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية