البطالة.. نتقن التشخيص ونعاند العلاج

الجميع يعرف أين وصلنا في البطالة، والنسب العالية التي بدأت تسجلها مؤشرات القياس بشكل تصاعدي، لأسباب يعرفها الجميع ويشخصها فأعراضها معروفة لدينا والأهم من ذلك أننا نعلم كيفية العلاج ولا نطبقها عنداً.

ولعل أبرز أسباب مرض البطالة وانتشارها وارتفاع نسبها يكمن في مخرجات التعليم، والتي نعيش منذ سنوات ونحن نسمع نغمة ضرورة تغيير مخرجاته وضرورة انسجامها مع متطلبات سوق العمل، غير أننا لم نخرج خارج دائرة «مكانك سر»، وحتى محاولتنا خجولة غير منسجمة بالإطلاق مع حجم المشكلة وصعوبة المرض.

من منا لا يتفق على أن استمرار مخرجات التعليم على النحو الحالي، هو السبب الرئيسي لتكدس أعداد الخريجين، وذلك لعدم مواءمتها لسوق العمل وانسجامها مع المعطيات والمتغيرات التي بات العالم كله يشهدها، ومن منا لا يدرك خطورة الاستمرار بهذا النهج رغم تحذيرات ديوان الخدمة المدنية لخريجي الثانوية العامة بالابتعاد عن تلك التخصصات وهجرتها، إلا أننا ما زلنا أولياء أمور وطلبة وحكومة نعاند الواقع ونسير عكس التيار ونبني آمالاً على الوظيفة الحكومية التي بات جهازها الإداري ممتلئا على بكرة أبيه..

تتخرج أعداد مهولة من الطلاب سنويا حيث يصل عددهم 70 ألف خريج، مقابل قدرة تشغيلية لا تتجاوز 20 ألفا في كلا القطاعين العام والخاص بأحسن حالاتها وفي ضوء اقتصاد ينمو بمعدلات جيدة، فلا يعقل أننا نعلم أعداد الطلبات والمنتظرين على طابور التعيينات في التخصصات العديدة والراكدة وما زلنا نشرع أبواب التعليم فيها لمن يرغب ولا نسعى الى تغيير السلوك والتفكير في المستقبل العملي للطلبة والخريجين.

وصلت البطالة اليوم في المملكة إلى معدلات لا نستطيع أن نقف ساكنين عندها، وبات واجبا اتخاذ إجراءات فورية، فلا يعقل أن تصل نسب البطالة إلى 25% وبارتفاع مقداره 5.7 نقطة مئوية عن الربع الأول من العام الماضي، كما أظهرت احصائيات منتدى الاستراتيجيات أرقاماً خطيرة ومقلقة وتشير إلى أن نسبة السكان في الأردن الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة مرتفعة نسبيا قياسا بالمستوى العالمي، وبلغت معدلات البطالة بينهم 61.5% للأعمار 15 الى 19 سنة، و45.7% للأعمار 20 -24 سنة للربع الأول للعام 2021.

كافة الأرقام في هذا المجال تجبرنا على البدء بوضع استراتيجية تبدأ من الأساس ومهد المشكلة التي تتمثل في الابتعاد عن التعليم المهني، فمن الغرابة والتناقض أن تكون نسب البطالة لدينا بهذا الحجم وفي المقابل لدينا ما يقارب 1.5 مليون عامل وافد من مختلف الجنسيات، ومن هنا علينا التوجه فوراً إلى التعليم المهني الإجباري في المدارس وأن نتخذ قراراً بأن تكون نسبة 70% من الطلبة على مقاعد الدراسة من سالكي طريق التعليم المهني والفني والحرفي ومنذ دخولهم فترة الإعدادية والاكتفاء بـ 30% للتخصصات العلمية والأدبية وبهذا الاجراء سنضمن وخلال السنوات العشر المقبلة توفير كافة احتياجات ومتطلبات سوق العمل وبشكل جذري وتسلسلي.

البطالة كما مرض السرطان كلما تعجلنا في الكشف عنه وشخصناه وبدأنا اجراءات علاجه؛ كانت فرص الشفاء أو الحد من انتشاره فعالة، واذا ما ترك دون علاج ينتشر حتى يصل الى مراحل متقدمة لا ينفع فيها أي نوع من الحكمة.. فلنبدأ بعيدا عن التنظير وباستراتيجية وطنية عابرة للحكومات.
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية