الخشاشنة يكتب: الأخطاء الطبية.. قبل أن نندم

 بقلم الدكتور عيسى الخشاشنة

لا أحد ينازعنا في اعتقادنا الجازم بأن حياة الإنسان فوق كل الاعتبارات ، وأن شرعنا الحنيف جعلها قيمة عليا ، ويُشكّل تجاوزها جريمة تستحق القصاص بنص القرآن الكريم.
 
الحديث عن الأخطاء الطبية يرقى في بعض مظاهره إلى الحديث عن جريمة مقصودة ، فالإهمال وعدم الاكتراث ، وضعف الأداء الناجم عن كفاءة متردية إدارياً وفنياً ، كلّ ذلك يعتبر أدوات ناجزة لجريمة مكتملة .
 
نحن دولة قانون قبل كل شيء ، ونحن دولة تُعدّ في محيطها الإقليمي أنموذجا علمياً طبياً ناجحاً ، ولدينا قوانين تحمي العملية الطبية وتنهض بها ، ولكن الأخطاء المتزايدة يومياً تأتي نتاج عديد من العناصر الملموسة و من أهمها ضعف الإدارة الصحية المناطة بالدرجة الأولى بوزارة الصحة ، وضعف في التطوير العلمي والتدريب المتواكب مع المستجدات العلمية يومياً، بالإضافة إلى نقص تشريعي .
 
والمتابع لما يجري من الأخطاء الطبية في بلادنا ، ينتابه شعور بالقلق ، لا سيما أن جميع الحالات تنتهي بلا حساب أو عقاب ، حتى بات الأمر جزءاً من اليوميات الاعتيادية التي تمر عنها وزارة الصحة مروراً عابراً ،  محتميةً بمسألة الإيمان بالقضاء والقدر الذي يخفف عنها تبعات  ذلك ويعفيها من المسؤولية. 
 
وبحكم خبرتي السابقة في رئاسة اللجنة الصحية بمجلس النواب ، فإنني أدقّ ناقوس الخطر ، وذلك لأننا نمتلك القوانين الناظمة للخدمة الصحية ، والتي تحتاج حقيقة و بشكل عاجل إلى تعديلات تكفل صيانة الخدمة الصحية من الخلل، و ربما يكون في هرمها تعديل سن التقاعد للأطباء لاستغلال الخبرات والكفاءات لأطول مدى ، لا سيما أن وزارة الصحة أفرغت مستشفياتنا من الخبرات والكفاءات التي آتت أكلها ، وهي بيت الخبرة ومرجعية علمية رصينة للمؤسسات الصحية. 
 
وليس مقبولا من وزارة الصحة أبدأ أن تمرّ على أي خطأ طبي دون التحقيق القانوني والطبي اللازم بشأنه ، ثم اتخاذ الوسائل الرادعة بتطوير مهاراتها الإدارية والفنية ، بعيداً عن الانشغال بالشعبويات والاسترضاء الإعلامي لتحقيق رغبات شخصية هنا أو هناك. 
 
فالمسؤلية الأدبية و الأخلاقية تقتضي من وزير الصحة كائن من كان أن يقدم إستقالته عند أول خطأ طبي خصوصاً إذا علم أن مصدره تقصير أو إهمال أو كفاءة متردية ، لأن مسؤولية الوزارة في حفظ الأرواح هي سبب وجودها. 
 
كما أن رسالة هذه الوزارة تكمن في البحث عن كافة السبل التي من شأنها النهوض بصحة الفرد ما يعود نفعا على صحة المجتمع الذي نريد. 
 
ما أدعو اليه هو التأسيس لعملية إنسانية قيمية قبل أن تكون بريستيج وتنميق عبارات على الإعلام لا تسمن ولا تُغني من جوع. 
 
حقيقة بات من الضرورة على الجميع مراجعة هذا القطاع بتجرد و موضوعية بعيدا عن الاعتبارات الشخصية. 
 
لا بد من وقفة طويلة لنعيد التوازن إلى القطاع الطبي وبأسرع وقت قبل أن نندم.


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية