متى سيأتي (العو) لـ عبدالهادي راجي

.. زمان في أول الوعي, وأول الإدراك.. وحين كنا أطفالا نلعب في الليل ونرفض النوم.. كان الأهل يهددوننا بأشياء غريبة.. كانوا يقولون: إجاك العو, وأحيانا يقولون: إجت الشرطة.. نام, وفي بعض المرات كانوا يخبروننا بأن كلبا ينتظر عند الباب, وعلينا عدم إخراج صوت.. مما يجبر الأطفال على كبت أنفاسهم وتصديق الرواية..

كانوا يقولون أيضا: (هي الغولة تحت الشباك).. كنت أعرف أنه لو اجتمعت كل وحوش الدنيا, أمي لن تسلمني لأحد, وأعرف أنه مجرد تخويف من أجل الخلود للنوم.. حتى نصحوا مع إطلالة الفجر.. أنا لم تكن ترهبني تلك الاشياء, كان يرهبني الحل الأخير وهو: (جيبوا الحفاية).. (الحفاية) كانت حقيقة مطلقة لا جدال فيها, أما العو والغولة فكل ذلك كان ابتكارات من الأهل للتخويف..

أنا الآن كل ليلة أنام, من دون هذه التهديدات, فقد ذهبت أمي مبكرا وأبي كذلك.. وكبرت سريعا, مرت الأيام مثل نسمة عابرة لم أشعر بها.. صار يخيفني في الليل, فاتورة كهرباء مستعرة تأتيك على باب الدار, صدقوني أنها أخطر من (العو).. وصرت اخاف من بلاغ يأتي من المحكمة يخبرك بأنك خسرت قضية مطبوعات ونشر وقيمة الغرامة تجاوت الـ(5000) دينار.. صار يذبحك القلق على باب المختبر.. وأنت تنتظر نتائج فحوصات الكوليسترول والدهنيات, واخر مرة أتذكر أني سألت الطبيب بلهفة.. فقال لي: (فعلا نتائجك بتخزي).. وكان وصف الطبيب صادقا: (بتخزي)..

صار يؤلمك أكثر من العو مشهد وجهك أمام المرايا, وقد استبدت الشيبات باللحية والشارب والتجاعيد غزت الوجه.. وتعاتب (كرشك) وتسأله: كيف تمردت علي في غفلة من العمر.. صدقوني أن الكرش الذي ينام معك.. هو أخطر من الشرطة التي هددونا بها في الطفولة..

بصراحة أحن (للعو) في وطني, كان كذبة بسيطة, انتظرناه ولم يأت.. وصدقوني أن (العو) أحن عليك من بعض الناس.. صحيح أنه أخاف بعض الصبية.. ولكنه كان الجزء الأخير من ليلنا والذي نختتم فيه الشغب.. (والعو) أحن عليك من الحياة ذاتها, ومن الحبيبة والطريق.. ومن نسمات الصيف السكرى.

منذ 40 عاما وأنا أنتظر (العو) ولم يأت.. ترى متى سيأتي (العو)؟

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية