بغداد

في بدايات عملي في الصحافة، منتصف التسعينيات.. كانت العراق متنفسنا ووجهتنا... أنت تحتاج لسائق عراقي شرس، وسيارة (جمس) سريعة, وتحتاج لسعد البياتي يغني.. دون توقف.. وانطلاقة بدون محطات للراحة فيها بعد (طريبيل)... وتحتاج على الحدود أن تسمع صوت الجنود ينادون عليك (معود)... وأسئلة عابرة وسريعة من شاكلة: (شنو بيها الشنط..؟)..

لقد فرحت الأسبوع الماضي حين رأيت العرب في بغداد، ويسجل لرئيس الوزراء الحالي (مصطفى الكاظمي) أنه استطاع أن يعيدها لسابق عهدها، عاصمة للحب والسلام.. تتجول بين شوارعها ومطاعمها, وتحس بالنبض العراقي متقدا في النخل والماء.. ويتسلل لروحك ويتوحد مع نبضك..

أنا أريد الذهاب لبغداد، فقط كي أتناول (المسكوف).. (والباتشي), وأمر على الأعظمية على البيوت التي كان الحب يتسرب من شبابيكها, وكانت الدنيا عراق.. والشمس هي العراق.. والعمر لم يكن عمرا إن لم يمر به اسم العراق... أطلب من رئيس وزرائها, أن يركز على إعادة العرب إليها... لقد ضيعت الكثير من قصص الحب على شواطئ دجلة وذات يوم نسيت القلب كله في بغداد، فاسمحوا لنا أن نسترده.. أريد استرداد قلبي فقط والعودة..

من حقي أن أطلب من رئيس وزراء العراق, أن يستعيدنا... نحن الذين تعلمنا اللغة هناك وقرأنا عن الحسين، وشاهدنا الحوزات.. والمساجد ومررنا على مقام (عبدالقادر الجيلاني)... وتوحد دمنا مع دم إخوتنا في العراق, الدم واحد هناك.. كاذب من يقول إن العراق مقسم لدم شيعي وآخر سني... هو عراقي بالدرجة الأولى, وينزف.. إن مر بالعراق ضيم.. صدقوني أنهم أغرقوا العراق بهذه المسألة, وكانت بغداد قبل ذلك إن دخلتها أول شيء تفعله هو: أن تمسح عنك عرق الغربة, هي العاصمة الوحيدة في الدنيا التي حين تدخلها يموت فيك الاغتراب وتشعر... بأن النهر والدك والنخلات أمك, وأن عيون الصبايا هي العشيرة.. وأن ضباب بغداد في خيوط الصبح الأولى.. ليس بالضباب أبدا بل هو تاريخ العرب, يأتي ويقبل كف المدينة ثم يذهب..

لقد ذهب في الأسبوع الماضي قادة العرب وعلى رأسهم جلالة الملك، لم نسمع بانفجار.. لم نسمع بحادث سير.. لم نسمع بمفخخة, رأينا شوارعها النظيفة ونخلها.. ورأينا الإعلام يتجول في المؤتمر, ورأينا غزالات من الكرخ يتجهن لعملهن وجامعاتهن.. وعلى الشاشة رأيت أسودا من العراق أيضا، تنضم المواكب وترحب بضيوف دجلة.. ما دام أن الأمن في العراق بلغ كل هذه المستويات, ماذا يمنع إذا أن تعود بغداد.. عاصمة للثقافة والحياة والحب.. ومحجا للحوارات والنقاشات, وأن يشتعل فيها المسرح.. ويعود الشعر كما كان نورسا من نوارس البصرة.. يحلق ويحلق ويرفض الهبوط؟...

هذا سؤال نوجهه لرئيس الوزراء العراقي الحالي.. ماذا يمنع أن تستعيد بغداد دورها في صناعة الوعي العربي..

أنا أؤمن بأمر مهم، ولا أصدق كل الروايات الأمنية المتعلقة بالعراق... واستقرار العراق.. أنت أصلا إن دخلت بغداد، فالحسين سيحميك... والنهر سيحميك, والتراب العراقي سيحمي دمك وقلبك.. والزنود العراقية ستكون مظلة لك من شمس بغداد.. من سيحميه الحسين إن دخل بغداد الغراء، حتما لا يحتاج للخوف...

كم فرحت الأسبوع الماضي، وأنا أرى الملك يعانق وجهه شمس بغداد، وشمس بغداد هي الأخرى.. ذهبت لوجهه السمح وعانقته..

حتما ستستعيدنا بغداد.. حتما ستستعيدنا..

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية