الشيطنة

.. في مجتمعاتنا من السهل أن تتعرض للشيطنة، أنا مثلا من ضحاياها.. وكانوا يقولون عني في بعض الجلسات: (مجنون هاظ بعد التسعة بتفلت معو).. وأدوات الشيطنة معروفة، أولاها أن يكون في الجلسة: رجل بلا ضمير، وأن يكون هنالك مجموعة من المستمعين.. ولا بد من مجموعات الإسناد.. وهذه المجموعات مهمة في (شيطنة) شخص أو حالة أو مشهد.. فمثلا حين يقول أحدهم (بعد التسعة بتفلت معو).. ومعروف ما هي مقاصد الجملة، لا بد أن تتطوع مجموعات الإسناد.. كي تؤكد الرواية بالشواهد..

مثلا يقول (س): (جاي تحكيلي عن عبدالهادي؟.. كنت معو مرة....) ويبدأ بسرد رواية لابد أن تدخل فيها الأنخاب.

طبعا الإسناد يتكون من مجموعات أولاها: أصحاب الروايات الكاذبة المؤكدة لرواية المتحدث، وهنالك مجموعة وظيفتهم هز الرأس صعودا ونزولا، من أجل تثبيت الرواية.. وأهم مجموعة في الإسناد هي (قبض) وهذه مختصة بالرشاوى والقبض.. ومهمتها تقديم ادعاءات القبض.. بالطبع المجموعة الثانية المرتبطة (بهز الرأس).. هي تعمل مع كل المجموعات الأخرى، تبقى في حالة الهز لتأكيد الرواية.. ولكن وجوهها تشبه الرادارات، تتحرك باتجاه الهدف أي المتحدث من أجل التأكيد..

الشيطنة لها قواعدها ومجالسها وأدواتها، وأحيانا يدخل فيها الجانب الإنساني.. اللئيم بالطبع، كيف؟.. سأقول لكم كيف.. من أجل تأكيد رواية (بعد التسعه بتفلت معو).. يتقدم أحد الوشاة، كي يقاطع صاحب رواية غير متماسكة ويقوم بإنقاذه ويقول: (يا رجل مرة أنا حملتو.. بسيارتي ووصلتو للبيت.. يا حرام صار شريطة).. المشكلة أن الحاضرين في هذه الجلسة تتغير وجوههم وتطغى عليها تعابير الحزن والرأفة، مع أن الجميع يدرك أن المتحدث لا يملك سيارة.. وأنه يستعمل (اوبر وكريم).. وهو بالأصل لا يحمل رخصة قيادة..

مشكلتي وأنا لا أخجل منها، أني جلست مع نسبة كبيرة من رؤساء الوزارات في الأردن، وكان أول شيء يمارسونه معي هو الإبتسامة.. ثم مناداة المراسل والقول له: (قهوة سادة للأستاذ).. تخيلوا أنهم حتى رغبتي في القهوة لم يسألوني عنها.. والأخطر من كل ذلك أن أول جملة في الحديث معهم كانت: (شو وين كانت السهرة مبارح)..

منذ العام (96) منذ أن ابتدأت في الصحافة جديا وما قبل هذا العام، وأنا أتعرض لذات السؤال من كل رئيس وزراء جلست معه..

لو أن السمعة مثل الجسد تحتاج للاستحمام، لعبرت على كل مغاسل السيارات في الأردن.. ولكني أمضيت هذا العمر أحاول أن أزيل ما تعرضت له من شيطنة عن كاهلي.. وأفشل.

ويظل السؤال يطاردني: (وين كانت السهرة مبارح؟)..

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية