بيروت تفاحة

أتابع الوضع في بيروت مثلي مثل كل الناس، لقد انشغلنا عنها قليلا بتطورات الأحداث في أفغانستان.. ولكني أمس عدت للمحطات اللبنانية, عدت لمتابعة المشهد..

بيروت تعاني من انهيار في العملة وتعاني من أزمة وقود, كيف أشعلوا كل نيران الأرض فيها.. قصفوها ألف مرة وحاصروها ألف مرة واجتاحوها ألف مرة, هل يتوافر الوقود للحرب والموت.. بالمقابل لا يتوافر لأجل صبية خرجت في الصباح للالتحاق بعملها.. ولأجل إيصال رضيعها إلى حضانته... أي بشرية تلك, التي توفر كافة أنواع الوقود للذبح.. بالمقابل تنسى.. الحب؟.. كيف سيذهب العشاق الان بدراجاتهم النارية لمطاعم الشواطئ, وكيف ستذهب (صوفيا) للقاء خطيبها في أطراف المدينة؟..

ذات مرة غنى سميح شقير: بيروت تفاحة.. عذرا بيروت ليست تفاحة!...

بيروت خرّجت كل المتنورين العرب من جامعاتها, وبيروت علمت الدنيا الإيقاع واللحن والفرح، وبيروت ظلت على كتف البحر ساكنة ولم ترحل, وبيروت هي التي قصفتها البوارج الأميركية.. هل يوجد بوارج تقصف تفاحة..؟ هل يوجد عقل بشري يرضى بأن تصب إسرائيل أطنانا من المتفجرات على تفاحة..! بيروت هي الجنة ويريدون تحويلها إلى جهنم.. هذا هو اختصار الحكاية.

يجتمع العالم العربي كله, لأجل تزويد عاصمة بالسلاح.. كل العالم العربي يضخ المال إذا حدث انشقاق بين فئتين, ولا بد من فئة تدعم خارجيا والفئة الأخرى باسم العروبة والدم الواحد تدعم عربيا.. وتنفق الأموال وتشترى الصواريخ المضادة للدبابات، وينشط تجار الأسلحة في تهريب بعض المتفجرات.. ولكن حين يشح الخبز في بيروت, وحين تنهار العملة.. فباستثناء الملك عبدالله الثاني الذي هب لمساعدة لبنان،.. فقد صمت العرب.. لم ينتجوا ولو بعض الاجتماعات بتقنية (الزووم).. لدعم بيروت, لم ينتجوا ولو مؤتمرا على مستوى وزراء المالية لمعرفة الوضع هناك.. لم يتحركوا ولو على مستوى السفراء أو على مستوى برقيات مجاملة... أو على مستوى زيارة سريعة على استحياء من وزير خارجية.

عندما انهار الاقتصاد في اليونان، اليونان الأرثوذكسية..التي تملك لغة خاصة وثقافة خاصة.. ونهجا مختلفا في السياسة عن كل بلدان أوروبا، تداعت أوروبا كلها.. لإنقاذ الاقتصاد اليوناني.. وأنقذته، وحين بدأ الصراع مع تركيا حركت فرنسا–وباسم أوروبا- بوارجها للمتوسط.. نحن بالمقابل نتحدث بذات اللغة، نملك نفس الوريد، ونفس الجبهة.. ونفس وميض العيون.. ولا فرق في الجمال بين بنت من تطوان وبنت من (جونية).. هي العروبة تجتاح الوجهين من الجبهة وحتى الأنف.. ومع ذلك ننظر لبيروت على أنها الغريبة.. وكأنها ليست سيدة العرب.

حزين على بيروت جدا، وكنت أشاهد تقريرا مصورا هذا الصباح عن فقر الناس وتعبهم على قناة فضائية عربية، صرنا حين نشرب قهوتنا في الصباح، ونفتح على إعلام العالم العربي.. تسقط دمعة حرى في فنجان القهوة دون إذن منا، ونحتسي دمعنا مع القهوة.. أنا قررت أن أحتسي بيروت مع قهوتي هذا الصباح.. واحتسي بعضا من دمعي.

لكن جيلا لبنانيا من الفتية الجدد والذين اكتووا بنار الطائفية، والجهوية، والمذهبية.. سيصعد؛ لا بد أن يصعد هذا الجيل، ويعلم العالم أن بيروت لا تختصر في مخيلة شاعر بكونها تفاحة.. بل هي الجنة، وهي الزنود الصلبة، وهي العيون.. وهي المدينة التي احتلت البحر، نعم احتلت البحر واحتلت قلبي معه.

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية