قطر

.. زرت قطر في حياتي مرة واحدة، ولا أخطط لزيارتها مرة أخرى.. وأنا لست معنياً أن يعجب أحد في عمان بما سأكتب، ولست معنياً أيضاً.. بتحويل المقال لفاتورة.. على غرار ما كان يفعله أحد الراحلين.. أو ما تفعله صحف المهجر، أصلا من يمتلك بارجة إعلامية مثل الجزيرة ليس بحاجة لمقال.. ولكنها شهادة يجب أن تكتب.

أول من شخّص الواقع الأفغاني هم القطريون، شخّصوه جيدا.. وافتتحوا مكتبا سياسيا لطالبان في الدوحة.. في الوقت الذي كانت فيه هذه الحركة، تشيطن من قبل البعض.. وتصنف على أنها إرهابية من قبل البعض الآخر، وتحشر في زوايا التمرد والتخلف والرجعية..

القطريون احتضنوا طالبان بذكاء، والقطريون لم يكتفوا بالاحتضان بل دربوهم على السياسة والحوار.. وأنتجوا منبرا مهما لهم من الدوحة, ولا أكذب إن قلت لكم إنهم مثلوا الدور الأبوي لهذه الحركة.. وشكلوا لها مرجعية صادقة، وليست ملتبسة.. هم لم يتعاطوا معها في إطار الورقة التي توظف لخلق دور، بل تعاطوا معها في إطار قضية إسلامية عادلة..

نكذب إن قلنا إن الغاز المسال وهذا الكم الهائل منه هو من أوجد قطر كلاعب ماهر ومهم على الساحة... هو العقل فقط من أنتج من قطر حالة في العالم العربي والإسلامي، صحيح أنها في منتصف التسعينيات استوردت المرسيدس واستوردت.. البورش، وبنت كتلة من ناطحات السحاب، لكنها فضلت استيراد العقل على استيراد الكماليات.. هي تحالفت مع العقل في إطار انتاج مشروع ودور للدولة.. الجزيرة لم تكن مبان فارهة وكماً هائلاً من الإنتاج بل كانت مشروعا يخدم أدوار الدولة..

الدولة تنجح حين تتحالف مع العقل، والدولة تبقى عابرة في المشهد حين تلجأ للسكون والهدوء والعزوف عن الأدوار.. ما هو القادم ؟

ستكون قطر الآن هي اللاعب الرئيسي في المشهد الأفغاني، وستعبر من الدوحة كافة القرارات والتقييمات.. وقطر هي من ستؤهل جيلاً من السياسيين المنخرطين تحت مظلة حركة طالبان، وأظن أن التسامح الذي أعلنت عنه طالبان وعمليات العفو.. وحقن الدم، كان بنصيحة سياسية قطرية.. هذا يعني أن قطر لم تعد تركز أدوارها على العالم العربي، فبالإضافة لحجم الاستثمارات في أوروبا وأميركا.. وبالإضافة لأدوار مؤسسة قطر.. وامتلاكها لأكبر الأندية، ستمد يدها الان إلى أكبر نقطة ملتهبة في قلب آسيا.. وستكون هذه الدولة الصغيرة في الحجم.. عملاقة في التأثير والدور.

نشهد لهم بالعقل الراجح، وبأنهم وظفوا هذه الثروة.. كي يقفزوا عن عقدة الحجم الجغرافي الصغير إلى فضاءات الأدوار العظيمة..

لن يتوقف الأمر عند طالبان وكأس العالم، ولكني أظن أننا سنجد فرعا لهارفارد أو جورج تاون في قطر مستقبلا، وأجزم أنها ستنتج معاهد لتعليم السياسة.. وأجزم أنها ستكون المحور في العالم العربي، والمحج لليسار واليمين ولكل الأفكار التقدمية..

الأهم من كل ذلك.. أن قطر قبل أن تطور ذاتها، طورت الإنسان القطري.. هو لم يعد مستهلكا، ومحبا لفائض الثروة.. القطري أصبح في طليعة النخبة العربية المثقفة..

هذه الدولة قصتها بسيطة جدا جدا.. وتكمن في أنها قررت أن يكون تحالفها مع العقل..

في المشهد الأفغاني.. مهما حاولت أن تكتب، فأنت لا تجرؤ على القفز عن الدور القطري أبدا..

وتبقى أغنية أهل قطر الوطنية: (شومي له.. شومي له يا ام الهدب راعي الحدب شومي له.. شيخ تنومس لابته.. وقفاته شومي له ).. حقيقية وصادقة.. وتدل على قطر..

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية