دمشق

.. منذ أكثر من (10) سنوات, لم ندخل دمشق.. كانت قريبة جداً علينا، أقل من ساعتين في السيارة وتصلها.. وتدخلها ملهوفاً على المطاعم والأسواق الشعبية، وأكثر ما يحضر في ذهنك هو الخلاخيل.. التي لم تغب عن قصائد نزار قباني..

قبل أكثر من (10) أعوام، كان البعض يبشر بتغير وجه سوريا، وكان البعض الآخر يبشر بأن النظام قاب قوسين أو أدنى من الهرب, وما يسمونهم بالمحللين الاستراتيجيين على الشاشات بشرونا أيضا بشكل الخارطة السياسية القادمة, كانوا يتعاطون مع الأمر على أنه مسألة أيام وربما أشهر.. وسيطل المجلس الانتقالي من دمشق, ويعلن خارطة للمستقبل..

نحن كنا نختلف, لأننا نعرف الشام جيداً.. ونعرف أن (قاسيون) لا يهزم, وحين قمنا بالمجاهرة بهذه الحقائق, وصفونا (بشبيحة بشار).. والبعض وصفنا بأيتام النظام.. واسترجلت صحف بعض الأحزاب, وقالت إن الدولار كان يحضر حين نكتب.. وغابت حقيقة مهمة عن هؤلاء وهي أن: هنالك فارقاً بين من يستمع لصوت أميركا وبين من يستمع لصوت الخلاخيل, لو كانت أميركا صائبة في كل ما تقول لما هربت من أفغانستان.. بعد عشرين عاما من بناء الجيش الأفغاني ومؤسسات الدولة.. على الأقل في سوريا لم تستطع أن تجد لها موطأ قدم.. ولكنها بنت من الخراب ما بنت.

أود أن أقدم التهنئة لقلبي القومي, والذي انحاز لبردى وتشرين والغوطة.. وانحاز أكثر للخلاخيل الدمشقية, أود أن أقوم بتهنئته كون رهاني على الحب انتصر.. بالمقابل رهانات الذين استمعوا لأميركا سقطت..

الانفتاح على سوريا لا يقع في باب الضرورات الاقتصادية فقط, بل يقع في الضرورة الوجدانية أيضا.. وحين نقول الوجدانية, نتحدث عن عشرات الآلاف من العائلات الأردنية الذين لهم زوجات من دمشق.. ولهم أهل وأحبة وخلان, نتحدث عن الطلبة الذين تركوا دراستهم هناك.. نتحدث عن الذين كانت تضيق بهم الايام ويقومون بالرحيل إلى الشام.. نتحدث عن التجار الذين حفظوا أحياء دمشق, نتحدث عن الأدباء والشعراء الذين كتبوا أجمل نتاجاتهم في مقاهيها.. نتحدث عن أرض لا تفرق بين وجهي ووجه أي سوري, ولا تقدم كف أهلها على كفي, وتحملك على وريقات الريح?ن وزهر الياسمين.. وتقاسمك الخبز والماء والحب.

الانفتاح على سوريا لا يحتاج لكل هذا التفكير, لا يحتاج أن ننتظر أكثر.. ولا يحتاج منا أن نراقب المشهد، يحتاج فقط أن نسير لمصلحتنا دون التفات للمعوقات.. لأننا هنا لا نتحدث عن جار عربي, بقدر ما نتحدث عن وطن دخل في تشكيل هوانا وثقافتنا.. وامتزجنا سويا.. لدرجة أنك في لحظة وحين كنا نسري مع الفجر صوب الشام, نشعر بأن عمان تنتظرنا هناك.. حين نعود نحس بأن دمشق جاءت معنا إلى عمان.. كانت هي العاصمة العربية الوحيدة التي حين تصلها تنزع عن قلبك فورا إحساس الغريب أو الزائر, وتزرع في وجدانك إحساس العربي المقيم والشريك والعا?ق..

الذين تحالفوا مع المؤامرة, سقط تحالفهم.. والذين أصروا على التحالف مع الخلاخيل، مع القصائد والريحان والياسمين، كسبوا الرهان.. لأن العاشق لا يبحث عن ارباح.. ونحن في علاقتنا مع المشهد كنا نحكم القلب القومي، ولم نحكم تحليلات من يملكون ثأرا مع سوريا.. والقلب العاشق الصافي الخالي من الحقد والكره والبغض والانتقام دوما يكسب رهانه.. في العام 2011 كنت أول من كتب مع سوريا, كنت ضد كل ذلك الخراب.. وهنا في الرأي وليس في غيرها، وها أنا بعد ( 10) أعوام.. أعود للكتابة, ليس عن سوريا وإنما عن قلبي الذي انتصر ولم يخذلني..

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية