فشخه

.. ذات يوم، كان المطر أشبه بوابل من الرصاص ينهمر فوقي، كنت عائداً من سهرة مع رفاق السوء–يحفظهم الله – متعجلا في الوصول للمنزل، فقد كانت أبو نصير كلها تسبح في الماء وأنا مثلها نفذ المطر لكل ملابسي..

حين هممت بالدخول للمنزل، لم أنتبه لقطة جلست على طرف الباب.. كي تحمي نفسها من البلل، ولم أنتبه للظلام، كان همي أن اضع المفتاح في القفل وأدخل وأنشف جسدي الذي صار مثل المنديل المغمور في وعاء من الماء.. وفجأة حين اقتربت من الباب، جفلت القطة، وأنا جفلت أيضا فارتطم رأسي في طرف الباب، كان الارتطام قويا للحد الذي سال فيه دمي ونبت في الجبين انتفاخ بحجم، ثمرة الخوخ..

حين أفقت في الصباح ورأيت وجهي، لم اصدق أن الارتطام أحدث كل هذا الورم؟.. لم استطع أن أخفيه، ولكن المصيبة لم تكن بالورم الذي اعتلى وجهي, المشكلة كانت في الأسئلة.. كلما شاهدني أحد يطرق السؤال التالي: (مين اللي فشخك).. كان أول سؤال من أبي، وبالطبع شعبنا يحب التفاصيل.. وأنا أحب الشرح، وقد شرحت له ما حدث.. كانت إجابته: (..بسة؟؟)... ثم أردف: (بس انت قول مين اللي فشخك؟)..

تركت أبي وخرجت للحارة، حتى جارتنا أم محمود.. قبل أن ألقي عليها جملة: صباح الخير؛ بادرت على الفور بالسؤال: (مين اللي فشخك يا خالتو)؟.. وأنا بادرت بالإجابة وشرح ما حدث، لكنها لم تصدق.. وختمت الحديث بالقول: (الله يكسر إيدو اللي فشخك).. ثم سرت إشاعة في الحارة تفيد بأنني (مفشوخ).. حاولت أن أقنعهم بالرواية الحقيقية لما حدث حاولت أن أخبرهم، لكن أحدا لم يقتنع..

وحين جلست في المساء على باب المنزل، جاء صبية من حارة مجاورة.. ونظروا إلي، تهامسوا قليلا، ثم غادروا.. وقد سمعت بعض بوحهم.. كانوا يتندرون وأحدهم سأل: (فشخوه بحجر ولا بالعصاة)..

بعد (3) أيام زال الورم تماما من جبهتي وبدأت ملامحه بالاندثار ومع ذلك، أوقف جارنا (أبو العبد) سيارته بجانبي.. وأنا ذاهب للجامعة، لم يكلف نفسه بإلقاء التحية.. بل بادر بالسؤال على الفور وبلغة شماتة: (مين اللي فشخك عموه؟)..

ذهبت (الفشخة) تماما وغاب أثرها نهائيا، أنهيت فصلا دراسيا في الجامعة.. وجاء الصيف وانتهى الشتاء، ونسيت الأمر.. ولكني ذات يوم مررت من جانب منزل جارتنا أم العبد، ألقيت عليها السلام، وهي ردت.. ثم نادتني وقالت لي: (ما شاء الله عليك يا خالتو هي الفشخه رايحة بس ما حكيتلنا مين اللي فشخك؟).. هذا شعب لا ينسى أبدا.

أنهيت الجامعة وتخرجت منها، وكلما جلست مع الجيران.. وأثناء حديثنا في أمر عام، يداهمني أحدهم بالقول: (متذكر مرة لما انفشخت.. صحيح ما حكيت النا مين فشخك؟)..

في بلادنا الرواية الحقيقية لا تصدق أبدا، لابد من طرف خفي.. نحن نؤمن بالطرف الخفي في كل مشهد، ولا نؤمن بالطبيعة.. لا نؤمن بأن الأحداث من الممكن أن تأتي من تلقاء نفسها أبدا..

قد تسألون عن سبب كتابة هذا المقال؟.. البارحة حلمت بأبي جاء إليّ في المنام.. كان وجهه باسما ويرتدي كالعادة دشداشته البيضاء، كل ما فعله في الحلم أنه نظر إلي وسألني: (مين اللي فشخك..؟)..

حتى في الأحلام تكذب الروايات!.. وها أنا غارق في الضحك....

لماذا لا يصدقني أحد؟..

[email protected]

الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية