حتى يكون «دينا» للعالمين

1 - تاريخ التجديد في الإسلام هو تاريخ نهوض المسلمين في امور دنياهم قبل ان يكون تاريخ نهوضهم في امور أخراهم ولذلك لم تقتصر النظرة الى المجددين على أنهم الفقهاء والعلماء فقط وانما ايضا المصلحون الاجتماعيون والحركيون والخبراء في كافة ميادين المعرفة ممن أضافوا الى الخبرة الإنسانية جديدا سواء في مجال علوم الدين او علوم الدنيا.

2- فكرة الخوف على الإسلام لا تقل - تهافتا - عن فكرة الخوف من الاسلام، فكلاهما وجهان لعملة رديئة: احدهما يُصوّر الاسلام «بعبعا» مخيفا او ماردا متوحشا وجاهزا للانقضاض على كل من يصادفه والآخر يُصوّر الاسلام وكأنه جسد هش قابل للانهيار او دين ضعيف لا يصمد امام اي دعوة تبشيرية وبالتالي فهو يحتاج الى جدران تحميه من «الغزو» وتحصنه من إغراءات الآخرين المشبوهة.

3- حين يتاح لنا ان نعرف «الآخر» على حقيقته وان نتعرف على معتقداته اكثر وان نعرض معتقداتنا عليه وان نطرد خوفنا منه على أنفسنا وخوفه منا أيضا سنكون وقتها أكثر ايمانا بأنفسنا وديننا واكثر ثقة بقناعاتنا وسلامة نهجنا واكثر قدرة على اقناع غيرنا بما نحمله وبما يصلح ان يكون «دينا» للعالمين.

4- يكفي ان نقدم نموذجين لصورة المرأة كما قدمها القرآن الكريم لندرك قيمة المرأة القرآنية لا المرأة التراثية: نموذج بلقيس غير المسلمة التي تعطينا درسا في مسألة الحقوق السياسية للمرأة «ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون» كيف يعقل ان يؤخذ من كلامها قاعدة فقهية في جواز المشاركة السياسية ولا تؤخذ هي كنموذج نسائي للولاية السياسية. وخذ ايضا نموذج المرأة المجادلة التي سمع الله قولها وانزل سورة باسمها، الا يعتبر ذلك نموذجا لحرية التعبير والجدال الذي كانت تمارسه النساء في العهد الإسلامي الأول، في وقت ما زلنا نتحدث فيه عن صوت المرأة كعورة.

5- متى يتحرر المسلمون من التدين المغشوش الذي يفسد جوهر الدين ويسيء الى صورته، متى يستقيم لدى المسلم ان «العدل» هو اسم من اسماء الله تعالى، وان الرحمة هي عنوان عرشه «الرحمن على العرش استوى» وان الإنسان عند الله اكرم وأقدس من بيته الحرام.. وأمر الدين أسمى من يأمرنا بقتل الأبرياء، من المسلمين أو من إخواننا الذين يعيشون بيننا وفي ذمتنا.. او حتى من قتل اي انسان لم يعتدي علينا ابداً.

6- علاقة الإنسان بالخالق عز وجل تدور في دائرتين: إحداهما دائرة العدالة حيث البشر عباد الله تعالى وهم مكرمون لذاتهم ولا يجوز «مس» ذاتهم او لعنها، وانما الحكم على ظاهر سلوكهم اما هدايتهم ومصيرهم وحسابهم فمتعلق بالخالق وحده، وفي دائرة العدالة لا يظلم الله احدا ولا يبخس الناس اعمالهم «ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره». اما الدائرة الاخرى فهي دائرة الرحمة ورحمة الله تعالى وسعت كل شيء وقد سبقت عذابه وهي متعلقة بقدرة الله وعفوه وحظوظ البشر منها والمخلوقات بيده تعالى، فهو يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وكل الذنوب ما عدا الشرك به تعالى منوطة بغفرانه ورحمته.. وهكذا.

7- يعتقد بعض اخواننا من العرب المسلمين انهم وحدهم في هذا الكون، وان الأمم الاخرى مسخرة لخدمتهم، ومدعوة للتقدم والعمل بالنيابة عنهم، ومطلوب منها ان تصغي اليهم، وتتنازل عن «معتقداتها» لصالحهم، ويعتقدون - للاسف - ايضا ان نسختهم «العربية» هي الاسلام ذاته، وان غيرهم من «المسلمين» الاتراك أو الصينيين أو الفرس أو الجرمان..الخ، نسخة مقلدة وتابعة وغير اصيلة، لا تعبر عن روح الاسلام ولا تجسد قيمه، وربما، غير محسوبة عليه.

8- نحن جزء من هذا العالم الذي تعددت اديانه ومعتقداته.. واختلف الناس فيه (ولذلك خلقهم) وظل الكفر - وهو واقع بمشيئة الله - جزءا منه.. فهل بوسعنا ان ننظر الى هذه الصورة من كافة زواياها، وان نتعامل معها كما امرنا الله تعالى، بمنطق الاعتراف والاحترام والحوار.. والدعوة بالتي هي أحسن.. والرحمة التي تسبق العدل؟. الدستور



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية