متعة التعرف على الذات

من ضمن ما قرأته أمس, أن مديرية ثقافة الكرك دعت في مركز الحسن الثقافي إلى نشاط لليافعين بحضور الأمهات تحت عنوان: (كيف أقضي وقتاً ممتعاً في التعرف على نفسي) ومن ضمن محاور الندوة: أنشطة حول التعرف على الذات, أنشطة حول صداقة الإنسان مع البيئة, أنشطة حول تنمية قدراتنا الذاتية.

يبدو أن هذه الفعاليات تأتي في إطار, مشاريع المئوية التي ترعاها وزارة الثقافة.. والتي تشدد على تعميمها, ودعمها في إطار برنامج معد وممول.

أريد أن أحضر هذه الورشة, كي أقضي وقتا ممتعاً في التعرف على نفسي.. على عدد الشيبات في الرأس, وكم كبر (كرشي).. أريد أن أتعرف على وجهي, وكم من التجاعيد داهمته.. وكم صار حجم الجبين, وكم ذبلت العيون.

لا أريد التسخيف أو التقليل من هذه الفعاليات, ولكننا دولة تمر بأزمة اقتصادية... وتجاوزنا أزمة فتنة, ونخطط لإصلاح سياسي شامل, ولدينا تحديات في الهوية والدور.. وبجانبنا عدو شرس.. فهل نحصن الوجدان الأردني بدورات التعرف الممتع على الذات بمصاحبة الأمهات؟

لو كانت الكرك مقراً إقليمياً للبورصة, أو منتجة للنفط وفيها من ترف الحياة ما فيها.. لقلنا أن هذه الدورات مهمة, لكن سؤالي أين المتعة في التعرف على الذات.. والشاب الكركي حين يكبر سيتعب في الحصول على وظيفة, وسيعرف معنى تهميش الأطراف, ويدرك حجم.. ما تحمله الأيام من قلق, وربما سيفهم صعوبات الجغرافيا, وتعب الهوية..

القصة مرتبطة بوزارة الثقافة, فهذه الأنشطة حين يكون عنوانها بالمئوية.. الأصل أن تحمل طابعا وطنيا, لا طابع الترف.. نحن لسنا دولة مترفة حتى نقضي وقتا ممتعا في التعرف على ذواتنا, ونحن لسنا دولة مثل اليابان فائض الميزانية لدينا يكفي لسد عجز ميزانيات دول أفريقيا.. ونحن لسنا دولة الشعب فيها حصل على كل شيء, وما تبقى عليه هو البحث عن الرفاه ومتع الحياة...

كنت أتمنى أن يكون المشروع عن حسين الطراونة, الذي زار ولي العهد أحفاده قبل فترة.. كنت أتمنى أن تنتج مديرية ثقافة الكرك ندوة عن مفهوم الهوية, وعن خصوصية الكرك الدينية كونها شهدت أول معارك الفتح الإسلامي, كنت أتمنى أن تكون هنالك ندوة عن دور الكنيسة في الحياة الإجتماعية والثقافية.. عن شباب الكرك الذين غادروا في أربعينيات القرن الماضي إلى لبنان وسوريا لطلب العلم, عن هيبة الكرك.. عن الزعيم ابراهيم الضمور.. عن العسكرية الأردنية التي رفدناها بخيرة شبابنا...

هذه الندوات تصلح لمجتمعات الرفاه, ولكنها لا تصلح لمجتمعات أمضت العمر في القتال وصون الهوية.. والسؤال ألا يوجد في وزارة الثقافة قسم مراقبة للأنشطة؟.. الأصل أن يكون هنالك أناس تقيم تلك الأنشطة ومدى انسجامها مع الحدث الذي نمر به وهو مئوية الدولة.. والأصل أن لا تنفرد مديريات الثقافة بهذا النوع من الأنشطة, دون أن تأخذ موافقات من المركز...

على كل حال.. في الكرك مديرية الثقافة تنتج نشاطاً حول متعة التعرف على الذات, بالمقابل البلدية والأشغال هناك.. ما زالت تبحث عن تمويل لمعالجة (حفر الشوارع).. والمستشفى يريد زيادة كادره من الأطباء, والناس هناك تلتحف صبرها وتؤمن بأن المستقبل ربما سيكون أجمل..

تلك ملاحظات أجزم أن وزير الثقافة يحتاج لسماعها.. وها أنا أضعها أمامه, وأعرف أن مديرية ثقافة الكرك سترسل غداً رداً مزلزلاً.. مقدمته تبدأ: لقد جانب الأستاذ الصواب.. وينتهي باتهام مفاده أني أرى النصف الفارغ من الكوب فقط.. وسيفرح الأمين العام بهذا الرد.. ولكم طول البقاء..

[email protected]

الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية