ذات يوم قدت سيارة الجنرال مصطفى القيسي.. وهذا ما جرى

ذات يوم قدت سيارة الجنرال مصطفى القيسي, من مزرعته في أقاصي مأدبا وحتى عمان.. كنا وحدنا أنا والجنرال.. هو في منتصف الستينيات, وأنا في نهاية العشرينيات.. أتذكر أن الراديو كان يبث أغنية: (هان الود عليه) لمحمد عبدالوهاب.

...في تلك الأيام كنت - وما زلت - مهووساً في الجيش, وكان القلم يتألق وحده.. إن مر على ذكر الكتائب والضباط والوحدات.. والدم.

مصطفى باشا في بيت الحق عند ربه, وأنا على قلق الحياة أسير... ما من مخرز إلا ومر على قلبي, لكن في تلك المرحلة كان القلب أكثر عافية.. والحب كان ديدن من لا ديدن له..

كل الذين هربوا لعواصم العالم العربية.. كل الذين غيروا ألوان وجوههم, كل الذين أسسوا الاتحادات الطلابية وأشبعونا شتماً, كل الذين اعتبروا أن وعيهم السياسي أكبر من دولة الصحراء.. وأعظم من تخلف القبلية, كل الذين صدحوا عبر الإذاعات الثورية بالشتم والسباب.. كل الذين مالت قلوبهم اتجاه الرايات الحمراء وشاهدوا في راياتنا استعماراً.. عادوا لعمان, كان مصطفى القيسي وقتها جنرالاً ومديراً.. وطوى الصفحة معهم, كان يعرفهم بالتفصيل الممل.. وكانت أوامر الملك تقضي بالمسامحة وتجاوز ما كان.. في السيارة وأمام إلحاحي, تحدث وقتها ا?باشا لي عن ازدواجية الشخصية, تحدث لي عن الاختراقات.. تحدث لي عن تعدد الولاءات... تحدث عن التفكير الأجوف, وقال لي وما زلت أتذكر ما قاله بالتفصيل: (العسكرية الأردنية تختلف عن العالم العربي أنها تمتلك وعياً... مع السلاح, وهذا الوعي هو الذي جعلها متسامحة وصلبة... وما جعلها أيضاً عسكرية نظيفة محترمة هو أن الذين خدموا فيها جاءوا يحملون قيم العشيرة, وهذه القيم مبنية على الشرف والأخلاق والسماحة.. وقد طبقوها في عملهم)..

في النهاية من جاءوا بعد العام (89).. نسبة كبيرة منهم, وجدناها قد تحولت لليبرالية ونسيت اليسار والثورة, ونسبة أخرى تحولت للتمويل من السفارات.. وشطبت المعركة والتحرير, ونسبة معدودة صارت تبشر بالسلام.. وتجاوزت نظرية ديمومة الاشتباك مع العدو, ونسبة أخرى عملت في العطاءات..

بالمقابل من تقاعدوا من الجيش والأجهزة الأمنية, عادوا لقراهم.. لم يبدلوا في النهج... لم يجرفهم الفقر إلى تعدد الولاءات, ومات بعضهم وعاش البعض الاخر.. لكنهم لم يعاتبوا الدولة.. ولم ينجرفوا في تيارات المال السحت الحرام, والقبض.. والمتاجرة بالديمقراطية وحقوق الإنسان...

مات مصطفى باشا, وحتى بعد تقاعده ظل صامتاً ملتحفاً فروسية الحياة والخدمة الطويلة.. ولكن السؤال الذي يقض المضاجع أحياناً هو نحن؟.. نحن الذين نحاكم يومياً ونوصف (بالسحيجة) إن دافعنا عن البلد, ونحن الذين أفنينا العمر دفاعا عن (حزب القايش).. ونتهم بالقبض والسمسرة.. بالمقابل من تعاطوا مع نصف أجهزة المخابرات العربية هم طليعة النخبة وقلبهم على وطن يجب أن يحرر من قبضة الجغرافيا... ونحن من نتهم بالاختباء خلف عباءة العشيرة بالمقابل من يحتمي خلف عباءة السفارات.. هو متنور متقدم, ونحن من نتهم.. بالرجعية في التفكير.. ونح? من نتهم بالعبء على التنمية والاقتصاد الرقمي, بالمقابل من حولوا الاقتصاد لمرتع تجارب هم الذين يواكبون روح العصر...

الجيش والمخابرات والأمن في الأردن تبين بعد التجربة, أنها هي المؤسسات الأقرب لفلسطين.. هي من قاتلت هنالك ودفعت المئات من الشهداء.. هي من أرسلت مستشفياتها.. وهي من منحت الجوازات للعبور والسفر, وهي من حمت وجدان الأهل في فلسطين.. وهي من عالجت ولثمت الجراح.. في حين أن بعض من حملوا مشاعل التحرير تحولوا فيما بعد... لما هو أكبر بكثير من تجار أو (كومسيونجيه)..

لم يكتب مصطفى باشا مذكراته, وضباط مخابراتنا حين تقاعدوا.. لم يظهروا على شاشات التلفزة ويسردون ما عندهم, وخزائن الأمن لدينا لم تفضح الشخوص والأدوار... وظلت هذه المؤسسات حريصة على البلد وأهله... لهذا صمد البلد, لأن الباشا حين قال لي جملة: (جاءوا إلى الجيش يحملون قيم عشائرهم في الفروسية والنبل والسماحة وطبقوها في عملهم)... فهمت معنى الأردن.. نعم الأوطان لها تعريفات ولها الكثير من المعاني, والأردن لم يكن معناه يوما الانتقام أو السحل أو غرس الأنياب, بل كانت تعريفاته واضحة وهي: السماحة والعدل والحب..

لا ابتغي من هذا المقال مناكفة أحد.. ولكني أود أن أتوجه بالتحية والرحمة والفاتحة, لروح مصطفى باشا القيسي.. الذي مات صامتاً مؤمناً بالبلد وأهلها.. ملتحفاً الولاء, ولو قدر له أن يفتح بعض الملفات... لربما كان الخزي.. حتماً سيغطي وجوه الكثير من الناس..

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية