شعبويات مزيفة.. معركة الكرامة مثالاً

في تاريخنا «غير النضالي» مع الصحافة والكتابة السياسية تحديداً، مرّ علينا العديد من الزاحفين على بطونهم ثم يخرج أحدهم ليرفع رأسه في الوقت القاتل وقد تكون ليلته عامرة بالهواجس، فيعطي بكل كرم ذخيرة حيّة لأطياف الشعب المتلاحم الذي التزم بشرف الوطنية الجامعة وعاش بكرامة الجيش وبقي على عهد الأجداد جيلا إثر جيل، يرى في معارك جيشنا وجنوده صفحة من تاريخ جيوش أبي عبيدة الجراح وخالد بن الوليد وصلاح الدين الايوبي بنسختهم للقرن العشرين، وأي انتقاد وإن لم يكن مقصوداً فهو يشكل جريمة شرف لتاريخ هذا الوطن وبطولات جنوده الذ?ن كانوا يقاتلون العدو حينما هرب قادة «المايكروفونات» يومها.

الأردنيون تحديداً لديهم حساسية مفرطة جرّاء تطاول البعض على حق جنودهم ومناضليهم الذين قدموا أرواحهم أو فقدوا أطرافهم أو ذهبت جثماينهم رفاةً لم يقرأ أحد على قبورهم سورة الفاتحة،وهذا حقهم التاريخي الذي لا يُفرّط به ولا يتنازل عنه لتقديم وثيقة براءة أو صك توبة أو مرافعة دفاعية عن مواقفهم منذ فجر الوطن الملآى بصور الإيثار وفتح الدار والإندماج النوعي والكمي في مجتمع متوحد ومتآخ، ولكن يبدو أن مساحة الحرية تغرّي البعض في القفز عن أسوار البيت للدخول لغرف النوم الكريمة بشهية كريهة وفي توقيت سيئ لإبعادنا جميعا عن التوحد مقابل الهجمة الصهيونية خدمة للصهاينة لا للوطنية وانتزاع بطولات مزيفة فقط. في مثل هذه الأيام قبل أربعة وخمسين عاماً كانت الضفة الغربية مرتعاً لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ومن المعروف حينها أن سلطة الاحتلال تأهبت من خلال معلوماتها عن حرب اتفق عليها الرئيسان عبدالناصر والأتاسي، ووجهت إسرائيل تحذيراً للأردن من التدخل بالحرب، بعد أكثر من عشرين معركة خاضها ابتداء من 1948 ضد الغزو اليهودي، ومع ذلك رفض الأردن ودخل الحرب غير المتكافئة رغم محدودية إمكاناته، ودفع بقواته من شرق الأردن لإسناد قواته في الضفة والقدس، وكانت النتيجة تدمير القوتين المصرية والسورية بالضربة الأولى واحتلال سيناء والجول?ن والقدس والضفة الغربية،ولهذا حديث آخر.

في السنة التالية 1968 وقعت معركة الكرامة، ودخلت قوات العدو لعمق الشرق أردني، وأدار المعركة وزير الدفاع موشيه دايان المتمركز في كهف على جبل غرب النهر مطل على المعركة، وتعثر فوقع وأصيب بكسر في ساقه، لينقل الى هداسا للعلاج ومن هناك استمر في إدارة المعركة على سريره، في المقابل كان أبطال الجيش الاردني يقودون معركة حامية الوطيس ومعهم أفراد وعناصر مقاتلة من الفدائيين والمواطنين، استشهد العديد وامتزج الدم الواحد وسطروا تاريخ الانتصار الأول وهزموا الجيش الذي لا يقهر حسب ادعائهم، ودمروا آلياتهم وأسروا مقاتليهم، وبعد البحث عن قادة المقاومة لم يجدوا أحدا منهم فقد انتقلوا منذ الصباح الى عمان.

هذه ليست مرافعة كما قلت ولا دفاعا عن جيشنا الذي يعرف تاريخه الجميع ولا انتقاصاً من شهداء وأبطال المقاومة الصادقين، ولكنها دعوة لمن يتذاكى كي يتوقفوا عن الاستعراض «الممجوج» عن الوحدة الوطنية ولعبة الهوية المزدوجة، والدور الذي لعبه قادة فصائل كانوا يلبسون على الناس أنهم «بلدوزرات» لحشد الجماهير البائسة لتحرير فلسطين نهاراً ثم في الليل يتحولون إلى ناقلات مصالح وخزائن مال، ودفع الشعب الفلسطيني دمه وحريته وأرضه لتتطاول تلك القيادات الخطابية حتى رأينا أين وصلوا وعلى من جثموا طيلة نصف قرن.

لذا فإن مشكلتنا لم تكن إطلاقاً مع الزعماء الحقيقيين ولا مع الأبطال الفلسطينيين ونسلهم الذي يقود المعركة اليوم، بل مع أشخاص يشبهون «لمبة الكهرباء» في الغرف المعتمة، كبسة أصبع تضيئهم وأخرى تطفئهم حسب المزاج الاغترابي، فتخيلوا أن يذهب منتخبنا الوطني من الفرق الوطنية للمباراة النهائية مجتمعين للنصر، ثم يقوم لاعب شاذ بتسديد الكرة في ملعبنا في الدقيقة الأخيرة لنخسر الوطن ويفوز هو بسيل من الشتائم، لا أعتقد أن عاقلاً يريد ذلك خصوصاً من أصحاب الشعبويات المزيفة، فبصقة في النهر الخالد لا توقف مجراه.

[email protected]
الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية