لنتعلم من أعدائنا كيف نحمي بلدنا

لا شك أن الظرف قاهر، ولولا الإيمان بأن الدولة بكليّتها شعباً وحكومة ونظاماً هي الأساس الذي بُني عليه انتماؤنا للجماعات والأفراد والأرض وما عليها والسماء ولن نكون ابدً فئات متناحرة كما رأينا في دول عربية وأفريقية ذاقت ويلات الانشقاق ورفض الآخر والاقتصاص من الخصوم لمجرد اختلاف الرأي معهم في أي قضية، بل إن اوروبا التي نتغنى بقيمها الأخلاقية وانظمتها السياسية وعدالتها الاجتماعية كانت قبل ثمانين عاما مقبرة كبرى في حرب حصدت أزيد من ستين مليون إنسان وأفلست فيها الخزينة البريطانية، وقبلها الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت بسبب رصاصة لشاب صربي قتلت ولي عهد النمسا، ثم استيقظوا جميعاً من كابوسهم.

ما جرى على أرض الأردن المقدسة الوادعة من تحشيد وتحريض خارجي وداخلي للبعض ممن لا يملكون صبراً ولا يعترفون إلا بلغة الهجوم والتخوين، وتسمع لمن يتشفى في كل طارئ يحدث في الأردن، بلدنا ووطننا وبيتنا نحن الشعب بكل أطيافه، ليس سوى حلقة من حلقات تثبيط الهمم لمن يريدون فعلا إصلاح المسيرة ودعم الانطلاقة نحو فضاء أوسع من الاجماع على التغيير الايجابي، ليس لنا كجيل بات كهلاً فحسب، بل لأجيالنا وأطفالنا الذين سيحكمون علينا في قادم السنين، فأي إرث سنتركه لهم وأي مستقبل سنقدمه بين أيديهم إذا كان حاضرنا يشتعل لأي خلاف، فيهدد السلم الأهلي ويقسّم المجتمع بين معارض وموالٍ.

في «إسرائيل» التي تعرفونها جميعا هناك مجتمع يعلم أنه احتل الأرض واستعمر البشر، وفي مجتمعهم السياسي هناك أحزاب عديدة من أقصى اليمين المتطرف الى أقصى اليسار الذي ينتقد الحكومات والاجراءات، بل ويدافع عن مشروعية العرب الفلسطينيين ويكيل التهم للحكومات، ولكنهم جميعا لا يختلفون على أمن وحماية مجتمعهم ومصالحهم ولا يهددون استقرار كيانهم، حتى يندر ان تجد منهم جاسوسا أو عميلا واحدا يحمل جنسيتهم يتعامل مع أي دولة صديقة أو عدوة، جميعهم يعملون وينتجون واقعا متجددا يحمل كل عام خلاصة انتاجهم الفكري والعلمي والصناعي ليدعموا قوة كيانهم رغم معارضتهم للزعامات السياسية، وغير حادثة مقتل رابين لم يطلق أحد منهم الرصاص على يهودي واحد.

ما نراه اليوم، بعيدا عن قبولنا أو رفضنا للآخر، من تحدي البعض للدولة ومحاولة شيطنتها واستخدام الأيدي المسلحة والاعتداء على رجال الأمن المأمورين بفرض النظام، ليس من شيمنا التي تعلمناها من دستور الآداب والأخلاق الرفيعة التي صانها وحماها الرعيل الماجد والأبطال الأوائل وورثها الأجداد والآباء من كل العشائر الأردنية التي كانت سنداً وقوة للدولة وما زالت، ولها حقوقها ومكتسباتها الشرعية، وإن كان هناك أي خلاف سياسي أو تضارب مصلحي فهذا لا يعطي الحق لأي كان أن يصادر حق الغير أو يهدد سلامته، وإلا سنعود الى الجاهلية الأولى نتناحر ونقطع الطريق، ولكن الأمل معقود على الشباب الواعي الذي يدرك أن النار من شرارة، والعقلاء وبيوت الخبرة هم الذين يعيدون الأمر الى نصابه.

وحتى لا تبقى لغة التخوين والتصنيف تلاحق كل حريص على أمن الوطن ومواطنيه، فعليكم أن تنظروا لمن خربوا بيوتهم بأيديهم مقابل عطايا ووعود انقلبت عليهم جحيماً، لم تستر عورة ولم تحقن دما زكيا ولم تترك سوى احتلال لكل مارق وسارق لأوطانهم، فإن كان عندنا فانوس مضيئ فلا تطفئوه، فالعاقل من اتعض بغيره وأسلم وجهه لله، ولننظر الى شريحة كبيرة من شبابنا وبناتنا الذين ينخرطون في العمل التطوعي ويهبون للمساعدة متى رأوا مكانها، لا أن نصنع جيلا منحرفا سيبتلى به أولا أهلهم ولن ينفعنا حينها الندم.

[email protected]

الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية