لا للتحشيد... ولا للتهديد أيضاً

السؤال الذي يجب ان نطرحه في هذا اليوم بالذات هو: كيف نخرج من هذه «الأزمة» التي وضعنا أنفسنا فيها، أما الإجابة السريعة فهي: لا يمكن ان نفعل ذلك الّا اذا استدعينا ما لدينا من رصيد من الحكمة والعقلانية، فهذه الوصفة وحدها الكفيلة بإعادتنا الى النقطة الصحيحة التي يفترض ان نبدأ منها طريقنا نحو تبييض صفحة الأخطاء وتصحيح المسارات واغلاق طوابق «الفتنة» التي أقحمنا فيها من لا يخافون الله في هذا البلد العزيز.
لا يخطر في بالي ابداً ان «أغطّي» على ما حدث للأردنيين من خيبات وما يعانونه من جراحات، او ان أبرر الأخطاء التي ارتكبها مسؤولون أنيطت بهم إدارة بلدنا، او ان انضم الى «نخبة» تعودت ان تصرف وصفات «التسكين» من صيدليات السياسة لكل الباحثين في بلدنا عن بصيص أمل بالفرج...ابدا ليس هذا الذي اقصده حين أدعو الى الاحتكام للعقل وتقديم المصلحة العامة على ما سواها من حسابات، لكن ما نحن فيه أخطر بكثير من أن نواجهه بأدوات الصراع والتلاوم وتصفية الحسابات، او ان نخضعه للمعادلات الصفرية التي نخرج منها جميعاً خاسرين... او تلك التي تدغدغ رغباتنا وربما حرصنا على بلدنا، فيما الخاسر الأكبر هو الوطن.
مثلما نطالب الذين يرفعون «شعار» العشيرة والمكونات المجتمعية الأخرى لتدشين انطلاقة الإصلاح بالاحتكام للعقل يجب ان نطالب المسؤولين الذين يلوحون بمنع هؤلاء من التجمعات بالاحتكام للعقل ايضاً، نحن يا سادة لسنا في معركة حتى نشهر «قوتنا» في وجوه بعضنا، لسنا في «حلبة» ملاكمة حتى نستقوي على بعضنا، ونسجل انتصارات بالضربات القاضية، نحن في مركب واحد، اما ان نتصارع فيغرق بنا جميعاً، واما ان نتشارك ونتعاضد فنأخذه الى شاطئ الأمان.
أعرف تماما ان سؤالاً كبيراً على لسان الأردنيين أصبح يتدحرج مثل كرة الثلج وهو: من أوصلنا الى هذا الطريق المسدود، ومن يتحمل مسؤولية هذه «الانسدادات» التي اشغلتنا عن «اصلاح» احوالنا ووضعتنا في سياق المجهول؟ الإجابة نعرفها جميعاً لكن لا اعتقد ان ما نفعله الآن يمكن ان يطمئننا على «مخارج» حقيقية نستطيع ان نمر من خلالها الى تحقيق ما نريده من تغيير وإصلاح ومكاشفة ومحاسبة...فطريق ذلك هو طاولة «التوافق» التي يجب ان تكون خيارنا لإنقاذ بلدنا مما يواجهه من أزمات وما يتهدده من اخطار، وما ينتظره من تسديد لفواتير وضرائب من الداخل والخارج معاً.
في لحظة الاحتقان والاحساس بالحيرة والشك، وفي ظل مزاج عام مضطرب، ليس هذا هو الوقت المناسب للتلاوم ، ولا «للتهديد» واختبار من يفرض كلمته على الاخر، نحن في دولة يفترض ان نحتكم فيها الى القانون اولاً، وان نحرص على قيمتها التي تأسست عليها، وان تتسع صدورنا لبعضنا، بعيداً عن المكاسرات والمناكفات، نعم نختلف حول ما يحتاجه بلدنا لكننا لا نختلف عليه، ونختلف حول ما يجب ان نفعله من اجله، لكننا -ايضاً- لا يجب ان نختلف حول امنه واستقراره وحمايته من كل خطر.
لا شك بأن الناس تحملوا وصبروا، وانتظروا على مدى سنوات ان يأتي «الفرج»، وبأن من جلسوا على «دفة» المسؤولين لم يلتقطوا ما يلزم من رسائل ولم يبادروا لفعل ما يلزم ان يفعلوه، لكن الحل ليس في دعوات «الاحتشاد» التي قد تفضي الى اعادتنا للوراء عشرات السنوات، ولا في انتصاب خطابات التحريض والتهديد وإشاعة روح الانتقام والثأر، الحل في انتصار الحكمة وصوت العقل والانحياز التام لمصلحة البلد على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.
الدستور



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية