لا استقلال بدون سيادة

يحتفل الأردن هذا اليوم بالذكرى الخامسة والسبعين لإعلان استقلال الأردن عن التبعية الإنجليزية التي كانت تضع يدها على العديد من دول المشرق العربي، من فلسطين غربا إلى مصر حتى العراق والخليج العربي شرقا، مستثنية سوريا التي نعرفها اليوم ولبنان الذي اقتطع عن سوريا الكبرى كبقية الأراضي السورية، وقد جاءت اتفاقية الاستقلال بعد مرور ربع قرن على قيام الدولة الأردنية الفتية، كان الأمير عبدالله بن الحسين حينها يدرك تماما أن التمسك بهذه البلاد المتجزئة من الطبيعة الأم هو ما يمكن الحصول عليه لقيام دولة قُدر لها أن تخرج من?الوعد البريطاني لقيام وطن قومي لليهود على أرض فلسطين وشرق الأردن، ولكن تراجع الحكومة البريطانية وصدور الكتاب الأبيض أخرج شرق الأردن من ذلك الوعد.

في تلك الحقبة لم يكن الأردن حكومة ناشئة ولا شعبا يستطيع أن ينهض بدولة ناجزة وقوية ومسلحة ولا يملكون أي تحالفات مع أي دولة حول العالم، ليس هنالك سوى شعور قومي لم يفدهم بشيء وروح وطنية عالية لا يسندها سوى التكاتف والمؤتمرات واللجوء الى معارضة الحكومات الضعيفة التي كانت تقاد من قبل القوة الاستعمارية البريطانية، واستمر الحال حتى بداية الحرب العالمية الأولى التي أخرجت بريطانيا من نادي الإستعمار الكولونيالي الكبير ونظيرتها فرنسا العظمى، فوجد الأردنيون طريقهم للخلاص من التبعية، وتحت الضغط الشعبي تحققت معاهدة الاس?قلال النهائية في ايار 1946.

لم تنته ذيول الاستعمار عند إعلان الاستقلال، فقد بقي الإنجليز يتحكمون بالقوة المسلحة وكان ضباطهم السياسيون يتحكمون بالإدارة الحكومية ايضا، وبعد سنتين من يوم الاستقلال وعبر الاتصالات ما بين رئيس الحكومة آنذاك توفيق ابو الهدى المقرب للندن تقرر توقيع المعاهدة الدفاعية المشتركة ما بين بريطانيا والأردن في آذار 1948، والتي وقعها بالأحرف الاولى المفوض الشريف عبدالمجيد حيدر عن الحكومة الأردنية ووزير الخارجية البريطانية «ارنست بيفن»، قبل أن يصادق عليها رئيس الحكومة ابو الهدى ونائبه فوزي الملقي في 30 آذار بعدما صادق ?ليها الأمير، وبقيت حتى ألغاها الملك الحسين عام 1957.

من ذلك التاريخ بدأ الأردن ينهض فعليا كدولة يستطيع حملها على أنها مستقلة بعدما انحسرت الشمس عن الإمبراطورية البريطانية، ولكن لم يجد الأردن سندا حقيقيا ليقوم مقام الانتداب الذي ترك فراغا كبيرا، ومن هناك تحول الأردن الى القطب الثاني في العالم وهو الولايات المتحدة التي تقود العالم الغربي مقابل الكتلة الإشتراكية الشرقية، ورغم كل الأمواج العاتية التي عصفت بالأردن الصغير، فقد خاض جيشه الباسل حروبا لم يعهدها جيش قبله، فالضفة الغربية من فلسطين والقدس كانت تحت تصرفه ومنذ دخل عقد الخمسينات كانت الوحدة بين الضفتين تحت?الحكم الأردني، وتوسع نطاق السيادة على الارض والبشر أكثر مما كان أحد يتوقعها حتى جاءت نكسة 1967 التي قلبت الموازين.

اليوم يعيش الأردن كدولة متحضرة، بنيت خلال الستين عاما الماضية على أرضية صلبة أساسها المؤسسات الدستورية والتشريعية والقانونية، ورغم الحكومات المتفاوتة في سلطتها الفعلية فقد كانت غالبيتها على كفاءة عالية من الإدارة والتخطيط والحرص على ترسيخ قيم العدالة ومبادئ العمل العام والحفاظ على مقدرات وثروات الدولة محصنة بالبيروقراط الأردني ممثلا برجالات عمالقة أحاطوا المصالح الأردنية بحائط منيع، ورؤساء قدموا مصالح الوطن والشعب على أي مصلحة خاصة.

وحتى هذا اليوم نرى كيف أننا ما زلنا نعيش على إرث الآباء والأجداد البناة، وعندما كان الحسين بن طلال فتى يافعا طموحا يقود مملكة كالحمل الوديع في وادي الذئاب، استطاع تأسيس العلاقات الدولية على أرفع مستوياتها من دول الخليج العربي حتى معاقل أميركا، وعندما سلم الراية للملك عبدالله الثاني كان يرى أن ذلك الإرث لن يضيع بل سيتراكم إذا قيض الله لحكوماتنا رجالا يعرفون تاريخ أجدادهم الآوائل ويثقون بوطنهم لا بمصالحهم، ويدركون أن السيادة الكاملة هي عنوان الإستقلال الحقيقي، الذي فقدته كثير من الدول، بل تجرعت كأساً مرّا من?السيطرة العسكرية عليها والتدخل بتفاصيلها ورها لحروب أهلية نقضت عشها.

كل عام والأردن بخير واستقلال تام ونساء ماجدات يلدن رجالاً لا تلهيهم تجارة عن ذكر الله والوطن والشعب والقيادة.

[email protected]

الرأي



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية