تكشف عن مجتمعات ما قبل التاريخ بالجزيرة العربية.. مستطيلات الشوارب الحجرية في السعودية

مدار الساعة - قد تكون آلاف الآثار التي اكتشفت في شمال غربي المملكة العربية السعودية من أقدم مواقع الطقوس الدينية المعروفة في العالم؛ إذ يعود تاريخها إلى أواخر الألفية السادسة قبل الميلاد، أي قبل الأثر الصخري الشهير ستونهنج جنوب غرب إنجلترا الذي يعدّ أكثر الأثار الحجرية الضخمة شهرة في أوروبا.

 
وأعلن وزير الثقافة السعودي بدر بن عبد الله، السبت، أن بلاده عثرت على هياكل حجرية "تعدّ الأقدم في العالم".
 
ووصف الوزير الهياكل المكتشفة، وهي على شكل مستطيلات صخرية، بأنها أقدم من أهرامات الجيزة المصرية، وذلك في تغريدة عبر حسابه الموثق على تويتر.
 
وأوضح أن "الاكتشاف يؤكد أن الهياكل الحجرية الضخمة بتلك المنطقة تعدّ الأقدم في العالم، إذ يتجاوز عمرها 7 آلاف عام".
 
وشارك الوزير السعودي، في تغريدته، رابطا لدراسة بريطانية عن هذا الاكتشاف نُشرت الخميس، في دورية "أنتيكويتي" (Antiquity) العلمية العريقة.
 
وكتب الفريق البحثي أن "هذه الآثار من ناحية العمارة أكثر تعقيدًا مما كان يُفترض سابقًا، فهي تتميز بغرف ومداخل وألواح حجرية منتصبة"، والبحوث الخاصة بهذا الاكتشاف الأثري تموّلها هيئة "العلا" الملكية التي أسستها السعودية من أجل الحفاظ على تراث منطقة شمال غرب البلاد، حيث يوجد كثير من هذه المستطيلات الصخرية.
 
 
وتم توثيق المستطيلات الحجرية (سمّيت في الدراسة بالشوارب) أول مرة عام 2017، باستخدام التصوير بالأقمار الصناعية الذي كشف عن حجم هذه الهياكل الغامضة وعددها في حقل الحمم البركانية الصحراوية شمال الجزيرة العربية، وسميت "البوابات" بسبب مظهرها من الجو، ووُصِفت بأنها "خطان قصيران وثخينان من الحجارة المتكدسة، متوازية تقريبًا، مرتبطة بجدارين أو أكثر أطول وأرقّ بكثير"، حسب تقارير علمية.
 
دراسة علمية
ورأى باحثون -في الدراسة المنشورة بالمجلة التابعة لمطبعة كامبردج- أن آلاف الهياكل الأثرية الصخرية الموجودة في الصحراء بشمال غرب السعودية ويبلغ عمرها أكثر من 7 آلاف عام، تظهر بعضها على هيئة جدران منخفضة تأخذ شكل المستطيلات، ويعتقد الباحثون أنها ربما بنيت لتوجيه وإرشاد موكب في أثناء مسيره.
 
تتميز المستطيلات الحجرية المكتشفة (الشوارب) بأشكال متشابهة تشابها واضحا (AAKSAU الهيئة الملكية لمحافظة العلا)
وكتب فريق من الباحثين في الورقة المنشورة في 30 أبريل/نيسان "يمكن تفسير هذه الهياكل الآن على أنها منشآت طقسية يعود تاريخها إلى أواخر الألفية السادسة قبل الميلاد، فقد كشفت الحفريات الأخيرة عن أقدم دليل على عبادة الماشية في شبه الجزيرة العربية".
 
ويرجح الباحثون أن أحد المستطيلات بُني بنقل أكثر من 12 ألف طن من حجر البازلت، وهي مهمة شاقة، لا بد أنها استغرقت عشرات الأشهر حتى تكتمل، حسب وكالة الأناضول.
 
وأشارت الدراسة إلى العثور في مقدمة جدران كثير من هذه المستطيلات على حجر صغير أو مكان يبدو أنه استخدم لتقديم قرابين الحيوانات، ومع ذلك يبدو العلماء غير متأكدين من معتقدات السكان القدامى الذين بنوا هذه الهياكل، وأيضا ثمة عدد من الألغاز التي لا يزال يتعين حلها. على سبيل المثال، لماذا بُني عدد قليل من "الشوارب" على منحدرات البراكين؟
 
ويقول المؤلف الرئيسي هوغ توماس، عالم الآثار بجامعة أستراليا الغربية، لصحيفة "آرت نيوزبيبر" (Art Newspaper) "نعتقد أن الناس أنشؤوا هذه الهياكل لأغراض طقسية في العصر الحجري الحديث، تضمنت تقديم تضحيات من الحيوانات البرية والداجنة إلى إله/آلهة غير معروفين".
 
وأضاف "نظرًا إلى الحجم الهائل لبعض هذه المباني، كان هذا سيتطلب جهدًا كبيرا، لذلك من المحتمل جدًا أن تكون المجتمعات أو مجموعات أكبر من الناس قد اجتمعت معًا لبنائها، وهذا يشير إلى وجود تنظيم اجتماعي كبير وهدف أو معتقد مشترك".
 
 
وقال هوو جروكت، عالم الآثار في معهد ماكس بلانك لعلوم التاريخ البشري (لم يشارك في الدراسة)، لموقع "إن بي سي نيوز" (NBC News) "إن الآلاف من المستطيلات بالفعل تظهر ما يشبه منظرا طبيعيا ضخما، وتابع "إنها تظهر أن هذا الجزء من العالم بعيد عن الصحراء القاحلة التي يتخيلها الناس غالبًا، بل إنها توجد في مكان حدثت فيه تطورات ثقافية بشرية جديرة بالملاحظة".
 
وجادل بعض المراقبين في السابق بأن المستطيلات الحجرية كانت تستخدم مصايد للحيوانات لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن الجدران التي يبلغ ارتفاعها نحو 4 أقدام لم تكن عالية بما يكفي لاحتواء كثير من الحيوانات، حسب "مجلة سميثسونيان" (Smithsonian Magazine) الأميركية.
 
تسلط الهياكل المكتشفة الضوء على حياة المجتمعات القديمة في الجزيرة العربية (AAKSAU الهيئة الملكية لمحافظة العلا)
وبدلًا من ذلك، تشير الأدلة إلى أن الهياكل استضافت نشاطًا طقسيًا، ففي الغرفة المركزية لأحد المعالم، وجد الباحثون العديد من عظام البقر، وكذلك عظام الأغنام والماعز والغزلان، ونظرًا إلى تعذّر وجود دليل على أن الناس عاشوا في الموقع، والجهل بكيفية التخلص من بقايا وجبات الطعام هناك، يفترض المؤلفون أن العظام كانت على الأرجح جزءًا من طقوس القرابين.
 
ويؤرّخ تحليل الكربون المشع العظام بين 5300 و5000 قبل الميلاد، وذلك يجعلها أقدم بنحو ألفي عام من ستونهنج أو حتى الأهرامات المصرية، حسب الدراسة.
 
ولاحظ الباحثون أن الماشية اضطلعت بدور أساسي في حياة الرعاة المقيمين في المنطقة التي كانت أكثر خصوبة قبل 7 آلاف عام مما هي عليه اليوم، ويتفق ذلك مع دراسات وبيانات مناخية تؤكد أن الجزيرة العربية كانت أكثر رطوبة قديما.
 
وقد وثقت دراسات سابقة الفنّ الصخري القديم ومشاهد لرعي الماشية في المنطقة، وإذ تحتاج الماشية إلى كثير من الماء للبقاء على قيد الحياة فإن ذلك الاكتشاف أيضا يقود إلى "فهم أفضل لما كان عليه العصر الحجري الحديث المتأخر في هذا الجزء من شبه الجزيرة العربية".
 
وتقول المؤلفة المشاركة ميليسا أ. كينيدي -عالمة آثار في جامعة غرب أستراليا- إن "أكثر ما يثيرني في هذه الهياكل هو حجمها وتوزيعها على نطاق واسع، وحقيقة أنها متطابقة تقريبًا في الشكل"، وأضافت لمجلة "آرت نيوزبيبر" أن هذا "يشير إلى احتمال وجود معتقد ديني مشترك في جزء كبير من شمال غرب شبه الجزيرة العربية في العصر الحجري الحديث المتأخر، وهي ميزة لا مثيل لها حتى الآن في أي مكان في العالم".
 
وتؤكد التقارير التي تناولت الدراسة الأثرية أن تلك المستطيلات الحجرية تمثل أرشيفات مهمة من عصور ما قبل التاريخ في الجزيرة العربية، ومن المرجح أن تكون الأبحاث وأعمال التنقيب المستقبلية مفيدة جدا في تقديم فهم أفضل للتطورات الاجتماعية والثقافية القديمة بالمنطقة.
 
الجزيرة + وكالات + مواقع إلكترونية
 


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية