الشعب يمشي

التلذذ بالطعام؛ أصبح هدفا موازيا للصيام، هذا ما افهمه حين أشاهد الشعب في عمان يتوافد إلى الشوارع قبيل موعد أذان المغرب، أعني موعد الإفطار في شهر رمضان المبارك، حيث لم أتمكن من تفسير هذه الهمة والحماس الكبير للذي (دبّ) في الناس، فخصصوا من يوم الصيام نصف آخر ساعة للسير على الأقدام، حتى إن الحماس يبلغ ببعضهم أن يركضوا، وهي طريقة في الركض تشبه (الدحرجة)، حتى لو كان الرياضي المشهور نحيفا، فإنه يبدو متدحرجا حين يركض ??? متر، فالصائم (مفصوم) في أخر ساعة.

أنا لا اقتنع بأن حب الناس الصائمين للرياضة والحركة هو ما يدفعهم للسير في عمان، وأتحداهم جميعا ان يكون الأمر كذلك، فهم وبعد انتهاء شهر الصيام لن يستمر أحدهم أو إحداهن في المشي يوميا بواقع نصف ساعة ولا شهريا، فالسبب ابذي يدفعهم ليفعلوا اليوم هو اصطياد ذلك الشعور بتلك اللذة الاستثنائية للطعام في حلق الصائم، وأتساءل حقا عن هذه النعمة من الشعور التي كنا نشعر بها في كل مرة تناولنا فيها الطعام في أيام طفولتنا، وهي بل أضعافها، كان يشعر بها والدي رحمه الله على امتداد عمره، حتى تجاوز الستين ربما، لأنه أمضى كل عمره في الكدّ والتعب، ولم يأكل وجبة واحدة إلا وكان جائعا، فالجائع (التعّيب) الذي حفر الأرض بأظافره مليون مرة، هو من يشعر بلذة الطعام حتى لو كان رغيفا من خبز شعير..

المشي بالنسبة لي عادة رافقتني منذ أن دبّت قدماي على الأرض، ولم تجافيني الا بعد أن أصبحت مواطنا عمانيا، فأصبح المشي بالنسبة لي فرصة أنتهزها، وأحاول منذ سنوات تثبيتها كبرنامج ثابت في يومياتي، حتى وإن وجدت نهارا كاملا بلا عمل أكون مستقرا ومستريحا لو أمضيته كله في السير في المناطق المفتوحة الهادئة..

فوجئت وتضجرت من (كميات) السائرين في رمضان، حيث اعتدت التنويع في الطرق التي أسلكها كل يوم تقريبا، لكنني في شهر رمضان ألتزم بساعة الفطور، واحرص على الافطار مع (العيال)، وأتناول كميات وفيرة من الطعام، توقفت عن تناولها في العامين الأخيرين زهدا وسأما، وهنا لا بد لي من القول بأنني بالنفسية ذاتها نسيت شرب الشاي منذ 20 عاما، ولا أشرب كأسا منه في العام ربما إلا تحرّجا من معزّب لحوح، لأنني وعن طريق الصدفة، اكتشفت بأنني (زهقت الشاي..مليييييت ثقافته كلها)، هذا النوع من المشروب، ألغيته من حياتي لكثرة ما شربته بل أكلته في ال35 عاما التي مرت قبل عام 2000.. (إشي بنسي الواحد حليب أمه)!..

المهم؛ في رمضان الحالي، أصبحت أشعر بالحرج وأنا اسير في الطرقات ساعة الصيام الأخيرة، فالسائرون والراكضون يتكاثرون، فهم يتذوقون هذه الحالة من السير على طريقتهم، وهي بالتأكيد ليست طريقتي.

فالسير بينهم يفقدني الغرض الشخصي من ممارسته، فأنا لا أمارسه رياضة، بل هو حاجة كانت رئيسية، وألاحظ أنني استعدتها أخيرا، حيث دأبت على (المشي) يوميا منذ أكثر من نصف عام، فللمشي في جسدي ذاكرة فسيحة خصبة، استنقطتها أخيرا، وأضفت على عقلي ونفسيتي استقرارا فقدته سنوات في غابة الإسمنت الغريبة، التي أقيم فيها منذ أكثر من عقدين، حيث جئتها وما زلت (مدبرا لا مقبل)، لكنها قوانين الحياة، ترغمك على الابتعاد عن القرية (غصبن عنك).

اتمنى لو يشعر كل هؤلاء بما أشعر به حين أمشي لساعات، لكن هيهات، فهم أصلا لم يعيشوا ظروفي منذ الطفولة، ولن يصدقوا بأننا (كنا) نبذل مجهودات بدنية مستمرة على امتداد اليوم بل العمر الذهبي كله، ولا تعرق أجسادنا، وكنت حين أشاهد شخصا يتعرق جسده من التعب أشعر بأن لدي مشكلة، فأنا ابذل ??? ضعف جهوده ولا يتفصد جسدي عن العرق...!.

على أي حال، (رياضة المشي أو شبهها)، هي واحدة من تداعيات كورونا الإيجابية، اتمنى لو تثبت في يوميات المجتمع في عمان وغيرها، لأن العقل السليم في الجسم السليم..

وما أحوجنا اليوم لعقل وقلب سليمين.

الدستور



جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية